فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 70

عاد الرجل المنفرد إلى هدوئه، وكان من حين لآخر يخرج القلم من جيبه ليخربش به شيئًا على الورق الأبيض ثم يعيده إلى جيبه، وقد يمسد على شعره الأسود الجميل متجهًا بيده من جبهته إلى مؤخرة رأسه، أو يسوي ربطة عنقه التي يتصور أنها ربما تكون قد مالت قليلًا إلى اليمين أو اليسار.. يدفع كرسيه قليلًا ليقربه من الطاولة، وبعد ذلك يعود فيعيده إلى مكانه.. يخرج سيجارة يضعها في فمه وينساها قليلًا، وعندما يحاول أن يمتص الدخان يتنبه إلى أنه لم يشعلها بعد فيخرج الولاعة المذهبة من جيبه، وعندما يشعل طرف السيجارة يجذب منها نفسًا قويًا ثم يضعها على المنفضة أمامه ويعود ينظر خارج عالم الطاولة فينسى السيجارة في مكانها إلى أن تتحول إلى رماد بارد يشوبه بعض البياض...

كانت البيرة السادسة قد انتهت قبل قليل، وعندما التقى نظره مجددًا برجل الطاولة المجاورة خاطبه كما خاطب الجماعة كلها:

-جماعة تفضلوا... زيدوا حاجة.. زيدوا حاجة من عندي.. والله تزيدوا حاجة... الفلوس كاين، الحمد لله... الخير موجود... ماقيمة الفلوس؟! وسخ الدنيا يلعن أبوهم... مرا يجيو، مرا يمشيو.. والحمد لله اليوم موجودين...

شكرته الجماعة من جديد واعتذّروا له.. قام رجل الجماعة وذهب إليه.. صافحه باحترام وشكره على كرمه، وأقنعه بعد جهد بأن الجماعة تعتذر...

عاد رجل الجماعة إلى مكانه، ولكن الرجل المنفرد ظل من حين لآخر يتحدث بكلمات أو عبارات متقطعة... كان النادل قد وضع أمامه بيرتين أخريين، وكان ينظر مرة جهة الجماعة المجاورة، ومرة جهة الجماعة الأخرى البعيدة، لم يكن أحد ينظر إليه تقريبًا عدا نظرات خاطفة من أحد أفراد هذه الجماعة أو تلك عندما يرتفع صوته عن المعتاد...

-المال موجود.. الحمد لله.. لأي شيء يصلح المال.. يلعن أبو المال.. ليس المهم هو المال.. المهم الرجال.. أيه الرجال.. نعم الرجال.. والرجال مازالوا موجوين.. نعم... مازالوا موجودين... تالا مازالت تصنع الرجال... رجال تالا لا يموتون...

يتحدث وينتقل بنظره مابين الجماعة المجاورة والجماعة البعيدة المقابلة، ثم يخاطب النادل أحيانًا عندما يمر أمامه:

-أنا ولد تالا.... أنا...أنا... أنا رجل... يلعن أبوه الذي لا يحب الرجال... كان هذه المرة يتحدث بصوت مرتفع... بعض الرذاذ يتطاير من فمه وهو يضرب على صدره بقبضة يده اليمنى:

-لكن يارب لماذا الظلم، لماذا؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت