فهرس الكتاب
الحانة ماتزال مثلما هي أقرب إلى الهدوء ومجموعة الزاوية المقابلة مستغرقة في حكاية النكات والضحك، والمجموعة القريبة من الرجل المنفرد مستغرقة في المناقشات المختلفة، والرجل المنفرد ينقل نظره بين البحر والمجموعة القريبة منه وطبق السمك وكأس البيرة... الوحيد الذي كان يتحرك وبشكل منتظم تقريبًا هو النادل الذي ينتقل بين هذه المجموعة أو تلك أو الرجل المنفرد لتلبية طلبات الجميع... وكانت نغمات أمواج البحر تدغدغ أحجار الشاطئ وتنقلب مخلفة زبدها الأبيض فوق الرمال النظيفة لتصنع سيمفونية عذبة جميلة ترقص لها في خفة ونشاط طيور النوارس التي تحلق بأجنحتها الجميلة على مستوى منخفض جدًا متتبعة الحد الفاصل بين الموجة والرمال متجهة مرة إلى الشمال ومرة إلى اليمين، ثم ترتفع أحيانًا أخرى فتحوم في مستوى عال متجهة نحو عرض البحر لتستقر بعد قليل فوق صفحته الجميلة الزرقاء مستسلمة لحركة مياه البحر الخفيفة ترقصها رقصات جميلة متزنة...
عندما انتهى الرجل المنفرد من البيرة الرابعة طلب اثنتين أيضًا... ملأ كأسه وعندما لاحظ في أسفل الزجاجة قليلًا من السائل الأصفر أفرغه دفعة واحدة في جوفه ثم دفع الزجاجة بعيدًا عنه وقرب الزجاجة الثانية المملوءة..
عاد ينظر في صفحة البحر وينقر بأصابع يده اليسرى نقرات خفيفة على الطاولة، ثم أخرج قلمًا من جيب سترته وجعل يكتب أو يرسم شيئًا على الورق الأبيض الذي يغطي الطاولة، بعد قليل وعندما كان يعيده إلى جيبه نظر جهة الجماعة التي تجلس بجواره على بعد ثلاثة أمتار تقريبًا، وعندما التقت هذه المرة نظرته مع نظرة أحد أفراد الجماعة، حياه الرجل المنفرد بكثير من اللياقة واللطف والتأدب، ثم لم تكد تمضي سوى لحظات قليلة حتى عادت نظراتهما تلتقي من جديد... كان رجل المجموعة يفكر أنه ربما كان يعرف هذا الرجل سابقًا، وكان ينظر إليه محاولًا التأكد من ذلك.. والمهم أن الرجل المنفرد عاد يحيي من جديد.. قام هذه المرة من على كرسيه نصف قيام واضعًا يده اليسرى على صدره، وقد علت وجهه ابتسامة عريضة مؤدبة، وقبل أن يجلس خاطب الجماعة:
-متشرفين ياجماعة.. معرفة خير.. اشربوا حاجة من عندي..
وحتى دون أن يترك لهم فرصة شكره أو الاعتذار له نادى النادل وطلب منه أن يقدم لهم أربع بيرات من عنده فلم يسع الجماعة إلا أن يقبلوا منه هذه الهدية الكريمة، ويشكروا له ذلك ليعودوا إلى ماهم فيه من حديث..