فهرس الكتاب
كان مايزال واقفًا... لم يتجرأ أحد فيدعوه إلى الجلوس.. عندما رآه النادل يلح على الجماعة في الشرب، اقترب منه وقبله، ثم بطريقة لطيفة قاده إلى مكانه، وهو يتمتم كلامًا غير مفهوم، فما كاد يجلس حتى عاد يتحدث بصوت أكثر ارتفاعًا:
أنا راجل... أنا... أنا را...جل...را...جل...را...جل واللي ماعجبوش الحال يقولها.. ايوه را...جل...را...جل...را...جل...
قام من مكانه واتجه ناحية الجماعة البعيدة المقابلة له وهو يردد في مقاطع موزونة:
-را...جل...را...جل...را...جل...را...جل
وعندما صار على بعد خطوات قليلة من الجماعة جعل أحدهم- ويبدو أنه كان ممن يحسنون الدق على الدف والدربوكة- جعل يدق على الطاولة دقات منتظمة منسجمة مع ترديد الرجل المنفرد:
-را...جل...را...جل...را...جل...را...جل
ويبدو أن الدقات على الطاولة التي كانت تتجاوب معها أصوات الصحون والزجاجات الفارغة الكثيرة والفرشايات والكؤوس، وتزيد نغمتها قوة وجمالًا، يبدو أنها وجدت في نفس الرجل المنفرد تجاوبًا في تلك اللحظات فاهتز جسمه الذي كان قبل لحظة يتمايل يمينًا وشمالًا، فبدأ رقصة منتظمة جميلة...
كان جسمه كله يهتز في رعشات خفيفة وهو يتحرك في خطوات قصيرة منتظمة في الباحة وسط دقات الطاولة وتصفيقات كل الجماعة الحاضرة،وبعدما قطع على هذا النحو نصف مساحة الحانة، نزع -وهو مايزال يهتز تلك الاهتزازات الجنونية- سترته ورماها على الأرض وواصل الرقص في جنون مرددًا:
-را...جل...را...جل...را...جل...را...جل ..را...جل...را...جل...را...جل...را...جل
موت
كان صوت بوق سيارة الشرطة قد بدأ يصل إلى مسمع عامل الاعلانات منذ لحظات، وكان هذا يقف في أعلى السلم مشغولًا بإلصاق إعلان كبير في لوحة تقع -تمامًا- في مواجهة الحانة المغلقة التي توقفت أمام بابها سيارة الشرطة، بعد أن وجدت بعض الصعوبة في الوصول إلى هذا المكان بسبب شدة ازدحام الشارع في هذه الساعة الصباحية من النهار..
وعندما توقفت السيارة، عند ذلك فقط ترك عامل الإعلانات الاشتغال بإلصاق الاعلان الذي كان قد تم إلصاق نصفه الأعلى باللوحة الخشبية العريضة المعدة خصيصًا للإعلانات.