فهرس الكتاب
في تلك اللحظات القليلة بدأت تخمد قوة النار، وتحول اللهيب إلى دخان أسود مثل القطران، ثم مالبث أن خمد كل شيء في الحي...
الطابور
الشركة الوطنية لتجارة السيارات (سوناكوم) القاعة واسعة، قاعة البيع، محسب رخامي طويل يمتد على طول القاعة في الجانب المقابل للمدخل ويفصل بين عمال البيع الذين لا يكفون عن الحركة في المساحة الواسعة التي أُتيحت لهم، والدخول والخروج من باب يؤدي إلى مقر التخزين الرئيسي، وجمهور المشترين الذين يؤلفون صفًا طويلًا متجمدًا يمتد نصفه على طول المحسب، بينما يدورالنصف الباقي ليمتد بجانب جدار الصالة ويصل إلى الباب الرئيسي للقاعة الواسعة والمؤدي إلى الشارع. بعض المصطفين يحملون الجرائد اليومية ليلهوا أنفسهم بأخبارها، التي شاهدوها وسمعوها مساء الأمس وصباح اليوم في الإذاعة والتلفزة، بعضهم يتابعون الأخبار الرياضية بينما بعضهم الآخر يشتم البيروقراطية والبيروقراطيين، وهم جميعًا يراقبون باهتمام شديد ساعاتهم ورأس الطابور حذرا من تسرب بعض (القافزين) من حين لآخر دون التمتع مثل الآخرين بالقسط الضروري من الانتظار في الطابور، مع العلم بأن قلة فقط هم الذين كان العامل المختص الجالس بجانب آله الكومبيوتر يلمح إليهم بالإيجاب بعد مساءلة آلته مما يبعث الأمل في نفوسهم فيعودون بقطعة أو قطعتين من بين العشر أو العشرين قطعة من قطع السيارة التي طلبوها منه، بينما يخلف معظم الواقفين الصف وفي نفوسهم حسرة، وهم يلعنون السيارة ومخترعيها، واليوم الذي خرجت فيه إلى حيز الوجود مفضلين عليها الحمير والبغال والإبل والمشي على الأقدام...
كانت الساعة حوالي العاشرة والنصف، وكان العمل قد توقف منذ حوالي نصف ساعة، وكانت قد كثرت الهمسات والأحاديث والإشارات، وحركات الدخول والخروج... الصف مازال مثلما كان، بل ربما ازداد طوله، بينما ازدادت كثافة الدخان في أرجاء القاعة...
في هذا الجو بالذات دخل... كان يميل قليلًا إلى القصر.. وإلى النحافة، أصلع قليلًا، يميزه شاربان متميزان برقتهما وطولهما قليلًا، دخل من الباب واتجه مباشرة إلى عامل الكومبيوتر، كان وهو مايزال بعيدًا عنه بأكثر من خمسة أمتار يرفع يديه منفرجتين وهو يتحدث في ابتسامة عريضة، وملامح الاستبشار بادية على وجهه مما جعله يبدو غريبًا كل الغرابة عن جو القاعة:
-أهلًا خويا عليلو، واش راك؟! لابأس؟! ياإلهي... خويا عليلو العزيز.. ياخي عليلو ياخي...