فهرس الكتاب
خرج الجميع من المقبرة، كانوا هذه المرة يمشون في خفة ونشاط، وعندما كانوا -مثل النمل- يملأون الشارع الكبير في اتجاه المدينة، وقف ينظر إليهم الضابط السمين، كان قلب هذا الضابط لا يخلو من رقة، وتذكر أمرًا.. الجنازات الثلاث.. وأسرع.. أسرع.. يجري بجانب السور الممتد. وصل إلى العطفة.. دار حولها، وقف مبهوتًا.. لم يجد أحدًا... أين اختفى هؤلاء التعساء إلى أين ذهبوا؟!... وقف لحظة يفكر، ثم واصل السير.. كان في الواقع يجري بقدر ما يسمح له به جسمه الثقيل.. كانت المقبرة مربعة الشكل، وكان الضابط يجري بحذاء السور الثاني للمقبرة.. بدا له طويلًا.. طويلًا جدًا.. وأخيرًا وصل إلى العطفة الثانية تجاوزها ونظر، فدهش عندما لم يجد شيئًا هنا أيضًا.. ووقف مرة أخرى يفكر، هل يعود؟! أم يكمل الدوران حول المقبرة؟! وعندما قدر أن المسافة التي سيقطعها سواء أعاد إلى المكان الذي انطلق منه أم واصل الدوران هي نفس المسافة تقريبًا، لم يجد أمامه سوى المواصلة، كان مرة يجري ومرة يمشي مشيًا عاديًا، ودار حول المقبرة، ولم يجد شيئًا...
وكان المساء.. ويبدو أن الشمس المختفية خلف الغيوم لم تغب بعد، ولكنها على وشك الغروب، واحتار الضابط السمين في الأمر.. عندما وصل من جديد إلى باب المقبرة لم يجد أحدًا.. الهدوء الكامل كان يخيم على الجو.. وكأنما الأرض ابتلعت الجميع... وجد باب المقبرة مفتوحًا... يبدو أنه لا يغلق عادة.. كان مردودًا.. ولكنه لم يكن مغلقًا بالمفتاح... دفعه ودخل.. راح يمشي في هدوء وحيدًا بجوار القبور، كان يمشي وهو ينقل بصره في كل جهات المقبرة.. كان الهدوء، هدوء المقابر فقط، وكان قبر السيد يتوسط الجميع... تمامًا مثل خال في خد أبيض جميل، أو كالقمر في السماء.
مع مرور الأيام، سوف ينسى الناس قصة اختفاء أصحاب الجنازات الثلاث، ولكن خبرًا آخر ذات يوم سوف يملأ الأسماع، سوف ينتشر بين سكان المدينة.إن مايشغل السلطات هذه الأيام هو هذا الأمر المحير، أمر القبور التي بدأت تختفي كل يوم من مقبرة المدينة، وسوف تشدد الحراسة على المقبرة، إلا أن القبور ستظل تختفي بنفس المعدل.. وأخشى ما صارت السلطات تخشاه أن يقوم الناس ذات صباح من نومهم، فلا يجدون بجوار السيد أحدًا، هو الذي كان يحب الناس كل الناس.
عين النعجة في 12/02/1990.
الفهرس
القيد والنوارس والبحر…
النّاي والكأس وأسرار النهر…
استدعاء…
محاضرة…
في المحطة…
غريق…