،وقد دراسنا باسهاب مفهوم الحديث الحسن عند الترمذي،في بحث منفرد، واستوعبنا فيه جميع الأحاديث التي اقتصر الترمذي على تحسينها في الجامع وتوصل إلى أن هذا التعبير إنما يستعمله الترمذي للحديث المعلول عنده (1) .
والذي أريد أن أتسائل عنه: هو لماذا عرف الإمام الترمذي الحسن والغريب فحسب ؟ وقد استعمل مصطلحات أخرى كثيرة ؟!.
ولو كان المراد - عنده - من الحسن هو ما أراده البخاري وغيره فلماذا لم يطلقه في جامعه دون أنْ يصرح بحده ؟ كما فعل في العلل الكبير .
والجواب: هو أن الإمام الترمذي حينما قال:"وما ذكرناه في هذا الكتاب حديث حسن فإنما أردنا به حسن إسناده عندنا: كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب ...."فإنه أراد أن مصطلح"حسن"المستعمل في هذا الجامع مصطلح خاص به ، يخالف المعنى الشائع في زمانه ، ولو كان المعنى الذي عرف به شائعًا عندهم لمَا احتاج إلى هذا البيان ، ولهذا ترك تعريف الحديث الصحيح ، لذا فإنه قال"وما ذكرناه في هذا الكتاب"،"عندنا": ثم عرفه .
وهكذا فإن استعمال الترمذي لمصطلح"حسن"في الجامع يختلف عما يستعمله ويطلقه في علله الكبير،لأنه في العلل ينقل عن الأئمة وخاصة البخاري شيخه العبقري الذي أكثر من إطلاقه:"حسن"بالمعنى الذي شاع عندهم ومراده الحديث الصحيح (2)
(1) البحث تحت الطبع نسأل الله أن ييسر لنا إخراجه ،وهو بعنوان"الحديث الحسن عند الترمذي دراسة تطبيقية".
(2) فتأمل هذه الأحاديث في كتابه العلل الكبير:-
1-قال الترمذي في العلل (143) : حدثنا قتيبة قال:حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه قال:"سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ على المنبر:ونادوا يا مالك"سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: هوحديث حسن وهو حديث ابن عيينة الذي ينفرد به"."
فأطلق البخاري مصطلح"حسن"على حديث متفق عليه ، أخرجه في صحيحه (3230 و 3266 و 4819) ، والإمام مسلم أيضًا 2/594 (871) .
2-وقال في ص 98 (165) :قال أبو عيسى:سألت محمدًا:قلت: أي الروايات في صلاة الخوف أصح ؟فقال:كل الروايات عندي"صحيح"وكل يستعمل،وإنما هو على قدر الخوف إلا حديث مجاهد عن أبي عياش الزرقي فإني أراه مرسلًا .
-ثم قال - (166) :وحديث سهل بن أبي حثمة هو حديث حسن وهو مرفوع رفعه شعبة عن عبد الرحمن بن القاسم . (167) وحديث عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة حسن . (168) وحديث عروة بن الزبير عن أبي هريرة حسن"."
قلت:سوّى الإمام البخاري بين الصحيح والحسن وبيّن منهجيتهم في مفهوم الصحيح،فقال:"وكل يستعمل"،فالذي يصلح للعمل يسمونه صحيحًا،بخلاف منهجية المتأخرين ، فحديث سهل بن أبي خيثمة صحيح أخرجه البخاري في صحيحه (4131) ، ومسلم (841) ، والترمذي في الجامع (565) ، وقال:"حسن صحيح".، وقال الترمذي في حديث عبد الله بن شقيق (3035) :"حسن صحيح غريب من عبد الله بن شقيق"،وقد بينا سلفًا أن الترمذي أراد أن يميز بين الحسن الذي يستعمله الناس،والحسن الذي عرفه في جامعه وأستعمله فيه ، فقرنه بالصحيح ، والغريب ، وهكذا الحال في هذا الحديث ، وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه النسائي 3/ 173.
3-وقال الترمذي (419) : حدثنا محمد بن بشار قال:حدثنا محمد بن جعفر قال:حدثنا شعبة قال:سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك عن النبي - صلى الله عليه وسلم:"أنه أتي برجل قد شرب الخمر فضربه بجريدتين نحو الأربعين وفعله أبو بكر فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف كأخف الحدود فأمر به عمر". قال محمد:وحديث أنس في هذا الباب حسن"="
= أقول: أطلق البخاري مصطلح -حسن-على حديث متفق عليه أخرجه في صحيحه (6773 و 6776 ) ،ومسلم (1706) ،وقال الترمذي لما خرجه في الجامع (1443) :"حسن صحيح".