فهرس الكتاب
وبيانه من الآية، أن صلاح دين الإسلام والمسلمين على كثرتهم بتعذيب الكفار أمر قطعي، وهلاك من كان فيهم من ضعفاء المؤمنين عند قتالهم أمر قد يكون أو لا يكون، ولذلك يقدرون، أعني علماء اللسان والمعاني وأهل التفسير، في مثل هذا التركيب، خشية أن يصيبوهم، فان كان أقل قليل يخشى فساده مع عدم تحققه، ولا يجوز إفساده لأجل صلاح أكثر الكثير مع تحققها، فكيف يجوز اهلاك الثلث محققا لاجل صلاح الثلثين المضنون أو المحقق، وكيف يجترئ المرء أن ينقل هذا عن إمام العلماء، ثم يجعله أصلا من أصول فتواه. فانا لله وأنا إليه راجعون على فقد العلماء."ان الله لا يقبض العلم انتزاعا، ولكن ينزعه بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤساء جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا" [1] .
الحادث عشر: أن قول القائل: فساد الثلث في صلاح الثلثين يقتضي انه يجوز الاقدام على علم فساد الثلث لإصلاح الثلثين، وهذه أيضا فتوى خارجة عن الدين، [2] والدليل عليه، قوله تعالى:"لم تعلموهم أن تطؤوهم فتصيبكم منهم معرة بغير علم"فدل أن هذا الفساد والإصابة في القليل من المومنين أن وقعت في قتال الكفار، فإنها تقع بغير علم، ومع ذلك حمى الله الكفار ومنعهم، لئلا يصاب معهم العدد القليل على غير علم ممن أصابه، فكيف يجوز للمومن الذي يخاف ربه أن يطلق لسانه:"لابأس بإفساد الثلث في صلاح الثلثين"إطلاقا؟. يقتضي أن إفساد الثلث المعلوم للمفسد في إصلاح الثلثين لا بأس به. [3]
(1) : فتح الباري 1/194 - كتب العلم - باب 34 - حديث: 100.
(2) : قارن بنوازل الزياتي 2/20
(3) : قارن بنوازل الزياتي 2/22.