فهرس الكتاب

الصفحة 23 من 362

إن الرسالة التي ألفها القاضي الشماع جوابا على فتوى البرزلي تعتبر من النصوص النادرة في الفقه المالكي التي تناولت العقوبة المالية بنوع من الاستيعاب، استنادا إلى أقوال العلماء المؤيدة بالأدلة النقلية والعقلية. وقد عثرت عليها ضمن المخطوطات النادرة التي تحتفظ بها مكتبة الإسكوريال بمدريد بإسبانيا، ولا أعلم واحدا أفرد على هذه المسألة بتأليف خاص وتناولها بتفصيل قبله، وهذا يدل ـ في نظري ـ من الناحية التاريخية أن بداية الاهتمام بالقضية بشكل موسع إنما كان مع ظهور فتوى البرزلي ورد الشماع عليها. ويؤكد ذلك، أن جميع المتأخرين من فقهاء المذهب المالكي الذين كتبوا في المسألة يشيرون على ذلك الخلاف الذي وقع بين الفقيهين في عهد الدولة الحفصية.

وقد دخلت رسالة القاضي الشماع إلى المغرب وتداولها العلماء، فانقسم الرأي حولها بين مؤيد ومعارض. ولا يمكن الجزم في شأن تاريخ دخولها إلى المغرب بشيء، وما يمكن أن نشير إليه في هذا الصدد أن الرسالة كانت مصدرا أساسيا للتأليف في المسألة لدى علماء المغرب في القرن العاشر والحادي عشر. وأصبحت الرسالة من المصادر المغمورة التي لم تصل إليها يد الباحثين، وظلت مجهولة عندهم إلى الآن، ولم يعرفوها إلا من خلال بعض فقراتها المتفرقة في كتب المغاربة. فكانت الحاجة إلى إظهارها وتحقيقها وإخراجها كاملة إلى الوجود أكيدة وملحة، حتى يتم الاطلاع عليها والإفادة منها واستثمار نصوصها.

ثم إن الرسالة لها قيمة علمية خاصة، حيث تتجلى من خلالها مدى انفتاح الفقه المالكي على القضايا المتجددة، ومرونته في التعامل مع المتغيرات الاجتماعية وفق أصول وضوابط وقواعد مكنته من الاحتفاظ بهذه الميزة العظيمة داخل منظومته الفقهية المتطورة، كما تؤكد على اهتمام الفقهاء بقضية العقوبة المالية منذ القديم، وانفتاحهم على قضايا أصبحت في عصرنا ذات أهمية بالغة، ومنها هذه القضية موضوع الرسالة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت