ومن هنا ظهر الإسلام في مرحلتنا المعاصرة كشريعة عالمية إنسانية، وكحل أمثل من الحلول المشتركة التي تطرحها فكرة مستقبل الإنسان والمجتمع ..
ويقول"دافيد دي سانتيلانا":
"لما كان الشرع الإسلامي يستهدف منفعة المجموع، فهو بجوهره شريعة تطورية غير جامدة خلافًا لشريعاتنا (1) من بعض الوجوه. ثم إنها علم ما دامت تعتمد على المنطق الجدلي.. وتستند إلى اللغة.. إنها ليست جامدة، ولا تستند إلى مجرد العرف والعادة، ومدارسها الفقهية العظيمة تتفق كلها على هذا الرأي. فيقول أتباع المذهب الحنفي أن القاعدة القانونية ليست بالشيء الجامد الذي لا يقبل التغيير. إنها لا تشبه قواعد النحو والمنطق. ففيها يتمثل كل ما يحدث في المجتمع بصورة عامة.." (2)
المطلب الثاني: الشريعة الإسلامية: ثوابت و متغيرات:
الثابت والمتغير، المطلق والنسبي، بُعدان أساسيان في خلود الرسالة الإسلامية وخاتميتها، وصلاحيتها ورفقها بالمكلفين.
و لما كانت الشريعة الإسلامية شريعة البشرية من يوم أرسل الله بها النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يوم يرث الله الأرض ومن عليها، كان لابد لها ـ لتتضمن وتؤمن مصالح البشر دائمًا ـ من أن تكون نصوصها مرنة تحتمل كل تطور الأزمنة وتبدل العصور وتواكب الجديد (3) .
إن هذه الشريعة بما فيها من مرونة وشمول، استجابت لمطالب حياة البادية، كما استجابت فيما بعد لحياة الدولة الناشئة في عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - ، المتوسعة في عهد عمر - رضي الله عنه -. ثم ظلت تستجيب لحياة الحضارة فيما بعد (4) .
(1) يقصد الشريعة الوضعية .
(2) انظر: سير توماس أرنولد (إشراف) : تراث الإسلام ، ص 433 - 434
(3) انظر: أحمد الحجي الكردي: بحوث في علم أصول الفقه، ص44، 45.
(4) انظر: سيد قطب: معركة الإسلام والرأسمالية ، ص67 .