فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 553

إن كانت لنا الأوائل فسيكون لنا الرزق الكريم، وقد كانت لهم، ولذلك بعد أن مضى نصف السورة وهو يحكي الحدث ويفصل جوانبه النفسية والظاهرة، ويكشف الرؤى الواقعية يأتي الجواب:- نعم لكم من هذا الرزق الكريم وتستحقونه لأنكم من المؤمنين حقًا الذين لهم درجات عند ربهم ومغفرة.

حين ذلك هل تكون الفرصة والبهجة بحصول الرزق الكريم أم بما هو أعظم منها. {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانًا وعلى ربهم يتوكلون*الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون*أولئك هم المؤمنون حقًا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم}

هذه مهمة قرآنية جليلة تتخلل النفوس الرفيعة العالية، وتنساب في الأرواح التي تتعاطى مع المعاني التي لا تلتقط إلا بالنبط والتفكر والاستخراج.

وحريّ بنا أن نقف مع مدح هؤلاء الأصحاب الذين هم خير البشر بعد الأنبياء، وهم أفضل أصحاب النبي محمد صلى الله عليه وسلم (( أهل بدر ) )حين يأتي الأمر لهم بقوله: {فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} فيرون أن نفوسهم قد ثابت حين حصل لهم الذكرى، ورفع التنازع من قلوبهم لحظة رفعه الأنفال من بين أيديهم، ويصغون إلى كلام الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم فيحسون صدقًا ما هم عليه من هذه الإثابة فيحصل لهم الرضا بنعمة الله عليهم فيحمدونه ويشكرونه.

بهذا يحصل لهم شهادتان:- شهادة السماء العالمة بخبايا نفوسهم، وشهادة أنفسهم على أنفسهم، وهما ضروريتان، إذ في أحدهما دون الآخرى ضعف يحصل به العجز في الإعداد لهؤلاء الجند لمهمات الحياة، فمن بعدهم من جند المؤمنين يتوافق لديهم أن النصر لا يكون إلا مع الإيمان، وهذا حكم مضطرد في كتاب الله العزيز.

هذا السَّلب:-"الأنفال لله وللرسول"أي أنه ليس لكم، تقف السورة (( أغلب السورة ) )معه لتقدم مبرراته، وليقف المؤمن مع صناعةالله لجنده، ومع تدبيره لخطواته، ومع إعداده لمهماته.

{كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون، يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}

كما كانت البداية:- فِعْل الرَبِّ الحكيم، وههنا ليس ثمة التفات فالخطاب من أول السورة متوجه إلى شخص النبي الكريم"يسألونك"فبعد أن فصّل صفات المؤمنين العليا عاد الخطاب إلى سيرته الأولى متوجهًا إلى رسول صلى الله عليه وسلم:- {كما أخرجك ربك lن بيتك بالحق} ، ولكن هل ثمة إعراض من الله تعالى عن المؤمنين في الخطاب وهو الذي يقول عنهم"وإن فريقًا من المؤمنين"فهم المؤمنون مع مجادلتهم لك في كراهيتهم للقتال؟! فما هو سر هذا الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم مع أنّ ما يأتي من الآيات فيها التفات في الخطاب حيث توجه إلى المؤمنين:- {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم} .

يمكن أن يقال الكثير لكن أظن أن هذا ترفق بالصحابة رضي الله عنهم، إذ لو توجه الخطاب لهم لكان فيه لوم مباشر شديد، فلو قال قائل:- تسألون عن الأنفال وهي لله ورسوله. أو قال:- وإن فريقًا منكم لكارهون، لكان اللوم شديدًا، مع أن الحال في عمقه هو موقف مدح وثناء عليهم، لا تقريع ولا لوم لمعصية أصابوها، بل هو الإرشاد والأخذ باليد إلى مقامات عليا من مراتب الصديقين والأولياء والصالحين، وفي المقام كذلك ذكر للمنن الإلهية والعطايا الجزيلة التي أسبغها الله عليهم، ومع أن الصحابة في رزايتهم قالوا:"ساءت أخلاقنا"حين ذكروا أمر التنازع في الأنفال، وهذا من غمطهم لأنفسهم رضوان الله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت