عليهم، إلا أن الله تعالى قالها على وجه آخر -يسألونك عن الأنفال- وهي في واقعها مدح لهم حين وقفوا أمامه يسندون له الحق في حكمها، ولم يقل:-"يسألونك الأنفال"بل هم يسألون عنها.
إنه مقام المدح والثناء وتعداد المنن والمنح والعطايا، وهذا المقام لا يصلح فيه اللوم والتقريع. {كما أخرجك ربك من بيتك بالحق} ، والبيت ههنا والله أعلم هو المدينة النبوية، إذ لم يكن للنبي بيت ينسب إليه، إنما هي بيوت أزواجه رضوان الله عليهن، نسبت لهن كما قال تعالى {وقرن في بيوتكم} ، وكما في الأحاديث النبوية الشريفة، كذلك لم تؤخذ منهن حين توفي صلى الله عليه وسلم اعمالًا لقوله صلى الله عليه وسلم:-"الأنبياء لا يورثون ما تركناه صدقة".
هكذا هو الحال:- {كما أخرجك ربك} ، خرج من أجل العير كما كان قصدهم كما سيأتي من قوله تعالى، وهو خروج"بالحق"، وكلمة الحق تكررت ههنا في هذا الموقف أكثر من غيرها في أي سورة أخرى من كتاب الله، وفي كل موطن لها معنى خاص بها.
فقد اخرجه ربه بالحق، وما خروجهم إلا من أجل العير، فلا عيب ولا ذم في ذلك، وحري بمن كتب في السيرة أن يقف عند هذا المعنى، وهو أن أول معركة كبرى تمت في الإسلام كان مقصد الخارجين فيها -قيادة وجندًا- هو المال والغنيمة من أعدائهم، ذلك لأن المال قوام الخلق كما قال تعالى - {ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قيامًا} - ففيها قوامهم، فإن فاتتهم فقد حصل لهم العجز والضعف وذهاب القوام، فهذه معركة قائد مهدي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يضرب قوام مادة العدو، ويوجه سهامه إلى ما يؤلمهم ويؤذيهم ويذهب شوكتهم، وفي ذلك كذلك رد على أولئك الذين يستدلون بالأخبار في رد الأحكام، ذلك أن الله قال عن قريش في معرض منته عليهم في بلده الحرام- {الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} - فلقائل جاهل أن يقول:- الله أطعمهم من جوع وهذا القائد يريد أن يجيعهم، والله آمنهم وهو يريد أن يروعهم، ومثل هذه الآيات من الأخبار قوله تعالى {يجبي إليه ثمرات كل شيء} وغيرها مما منّ الله تعالى به على أهل مكة يذكرهم بها ليدركوا حق الله عليهم بتوحيده وعبادته، لكن العالم الثبت لا يضرب أحكام الشرع بالأخبار، ولا يرد أحكامه الشرعية بأحكامه القدرية، إذ ليس هذا هو صنيع العلماء الثقات.
أخرجه ربه بالحق (أي العناية والتدبير) ، فليس في خروجه للعير ولمال قريش ما يعيب، فهذا النبي على الحق، وهو على هدى من ربه حتى لو كان بعض جنده كاره لهذا الخروج، ولست ممن يقول في قوله تعالى {وإن فريقًا من المؤمنين لكارهون} أنّ هذا لوصفهم بعد فوات العير والغنيمة ومواجهتهم للمعركة والحرب، بل السياق يدل أن هذه الكراهية كانت حال الخروج من البيت (المدينة النبوية) ، ومما يدل عليه أن كثيرًا من الصحابة لم ينشط لهذه الغزوة لما كانت النفرة للعير ولم يعلموا أن هناك موقعة وقتال كما هو في خبر أنس بن النضر رضي الله عنه الذي قال الله تعالى فيه {من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلًا} ومما يلفت في هذه الآية أن هذا الفريق (رجال الصدق والعهد الحق) ليسوا إلا صنفين: شهيد وآخر ينتظر المواقع والمعامع لينال الشهادة- فلا نامت أعين الجبناء-.
إذًا حتى الخروج لهذه العير والغنيمة هناك من كرهه، ولكن يكفيه شرفًا أنه من المؤمنين، والكراهية لهذا الخروج ليس فيها ما يعاب، لأنها ليس على معنى من الشر في الشيء، فإن طبيعة الخروج الذي تمت به الغزوة من المدينة من الإسراع وعدم التحضير، وعدم تعميم الأخبار بها يمكن أن تجعل البعض وربما الأكثر أن يكره هذا الخروج على هذا النحو، أما