فهرس الكتاب

الصفحة 12 من 553

كراهية القتال عند حضوره فلم يأت به خبر واحد يعتد به، نعم كانوا يحبون العير، لكن لما فاتت لم يكرهوا القتال بل خطبهم كانت تدل على أنهم قد تدافعوا له ولم يخشوه.

هذه الكراهية لهذا الخروج على هذه الصفة التي دُبِّر أمرها من عالِم الغيب رب العالمين، ولم يعرف أهل الأرض عنها من المؤمنين وغيرهم هي التي جعلت المؤمنين يجادلون في صفتها، وهذا الجدال بعد الشروع والنفرة الفعلية على أيِّ صفة ليس ممدوحًا في الشريعة كما قال تعالى: {وشاورهم في الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله} ويقول المصطفى صلى الله عليه وسلم:-"ما كان لنبي أن يلبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل في سبيل الله"، فللناس أن يختلفوا قبل الفعل حول الطريقة المثلى لاتيان هذا الفعل، لكن بعد الشروع لا ينبغي الجدال لأنه حينئذ يكون تثبيطًا وإن لم يرده صاحبه، وقد تتوضح هذه القضية بأجل صورها في غزوة أحد كما فصلها القرآن في سورة آل عمران، وهناك جعل هذا الصنيع هو صنيع المنافقين والمخذلين بل سماهم الكفار والعياذ بالله، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.

لقد تمت النفرة للعير و كرهها من كرهها على الصفة التي تمت، و جادل فيها من جادل لأنهم رأوا في هذه الصنعة سرعة يمكن لغيرها أن يكون خيرًا منها، و بتدبير وإعداد أفضل مما تمت فيه، فكان حجة المجادلين رضوان الله عليهم أن الخروج على هذه الصفة هو الموت المحقق، فلا أسياف ولا خيول و لا عدة و لا عتاد، و لا عدد كاف، و إنما تمت الإستجابة السريعة لنداء رسول الله صلى الله عليه و سلم أن ينفر من يريد على الصفة التي هو عليها دون ابطاء أو تأخير حتى لو كان من أجل إعداد و تجهيز.

{يجادلونك في الحق بعدما تبين كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون}

وههنا وقفة لابد منها، و هي جواب على سؤال قد يتبادر إلى الذهن:- هل هذه الغزوة (فلتة) لا يقتدى بها على هذه الصفة التي تمت فيه؟ و الجواب: لا، لأن تطور هذه الغزوة كان سننيًا لا مطعن فيه في العسكرية، فهذه عير أبي سفيان قادمة من الشام، فيها مسالحة و حماة يدفعون اللصوص ولا يقدرون على الجيوش، فالخروج لهم بهذه الصفة هو خروج يعادل الموقعة القادمة، ثمَ جاءت المرحلة الوسطى بعد هذا الخروج الصريح للعير أنه يمكن أن تفوت العير و يكون القتال، و هذا الوجه الجديد هو الذي قوي فيه الجدال الذي حكاه القرآن، فهناك من جادل إبتداءً ولكن قوي هذا الجدال بعد أن لاح في الأفق احتمال أن تفوت القافلة و يتم لقاء فيه قتال مع قريش، و عند حصول هذا العامل الجديد جاء قوله تعالى {وإذ يعدكم الله إحدى اطائفتين أنها لكم و تودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم و يريد الله أن يحق الحق بكلماته و يقطع دابر الكافرين} .

و هذا هو المكر الحسن من الله بالمؤمنين.

خرجوا للعير، و أرادوها وسعهم كله، و كان ثمة كلام حول هذا الخروج السريع، القليل من الجدال، ثمَ:- لعل القافلة تفوت، و هناك أخبار أن قريش نفرت لنصرة القافلة، إذًا ربما يكون هناك قتال، فزاد صوت الجدال، ثم زاد احتمال القتال و قل احتمال القافلة، و هنا وقع الجدال الصريح: {يجادلونك في الحق} و الحق هنا هو القتال لا شك و لا ريب.

لقد تمَ الوعد الإلهي بإحدى الطائفتين عند وجودهما، طائفة مال و غنيمة و عير، و طائفة لا تحمل معها إلا السلاح و العدة و العتاد، و النفوس تتشوف إلى ما خرجت من أجله، فلمثله نفروا وعلى ميزانه أعدوا أنفسهم، ثم تبين أن القتال هو هو الذي سيقع لا غير، فقد ذهبت القافلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت