فهرس الكتاب

الصفحة 13 من 553

كيف للمرء المسلم أن ينظر إلى هذا التدبير الإلهي:- فقد ساقهم إلى رغبة تحبها أنفسهم و هي العير، على صفة لا تصلح أبدًا على مواجهة عسكرية ثمَّ يقع القتال، فيقع أمران عظيمان جليلان لأهل الإيمان:- أولاهما:- أن هذا الحضور من أهل بدر هم خير أهل الأرض يومئذ: {إن يرد الله به خيرًا يأت به} و مثلها غزوة حنين جريانها على غير الصفة التي رتبت له، و مثل ذلك غزوة حمراء الأسد، كل هذه الغزوات و أمثالها الكثير كانت تعطي صفة الإختيار الإلهي للنافرين {و لو أرادوا الخروج لأعدوا له عدة و لكن كره الله انبعاثهم فثبطهم و قيل اقعدوا مع القاعدين} .

إنه الإختيار الإلهي للمواقع و أهلها الذين هم رجالها.

كل هذا الوصف الإلهي لحال البعض -فريقًا- ولحال الكل- وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم- لا يلغي صفة الولاية والصديقية عن هذه العصبة العظيمة، لأنه الإنسان، فليس على الأرض ملائكة يمشون، فهم أبناء الأرض ماداموا يأكلون من طعامها و يعيشون سننها و رغباتها و نواميسها، لكن تأمل هذا الحب الإلهي، و هذا الرفع الرباني، وهذا الإحسان من البر الرحيم و هو يخاطبهم خطاب الغيبة و هم يجادلون) (يجادلونك ) ) فإذا جاء الوعد الإلهي و الضمان الرباني إلتفت إليهم إلتفات الرحيم الودود بهم فيقول لهم (( وإذ يعدكم الله ) )انهم أحبابه و أصفياؤه و أولياءه، و هم في ذلك كله هذا الإنسان في رغبته و شهوته و تقديراته.

هكذا هي الحياة، و هذا حال وقائع الإيمان فيها:- الإنسان يخرج للرزق والإكتساب،-رزق كريم- من يد أعدائه، فهو ابن لهذه الحياة، رزق تحت ظل رمحه، فتجري به الحياة بتدبير الله تعالى إلى مراتب أعلى يقول الله فيها: {ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين، ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}

لكن دعونا نتصور النهاية على غير ما وقعت، لتخلف عامل من عوامل النصر السننية، وهذا الإحتمال يقع للأنبياء ولأتباعهم كما قال تعالى: {وإن كان للكافرين نصيب} ، {فيقتلون ويقتلون} فما هو حال فرق الناس يومئذ: مؤمنين ومنافقين، أقول: لقد كان الجواب على هذا التصور تفصيليًا بما لا مزيد عليه في سورة آل عمران مع غزوة أحد، فقد كان كل ذلك فلا تستعجل، فالأيام دول، والوقائع:-"يوم نسر ويوم نُساء ولا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار".

{ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين}

أما الكلمات ههنا فهي الكونية ولا شك، وهذا مدح آخر عظيم لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في بدر، فهم كلماته الكونية الذين أحق بهم الحق، والحق ههنا هو النصر، فبهم- وهم كلماته- أوقع الله نصره، لكن أي دابر للكافرين قطع في بدر؟!

ولقائل أن يقول:- إنما هي أولى لم يقتل فيها من قريش سوى سبعين رجلًا، وقريش عادت بعد عام هذه المعركة إلى معركة أخرى أقوى وأكثر استعدادًا، وحققت بعض مقاصدها في غزوة أحد، فأي دابر للكافرين قطع في غزوة بدر، والناس إنما يستخدمون هذا القول:"قطع دابره"إذا محي أثره وذهبت قوته وزال أمره، وقريش ما زالت قوية هي صاحبة الإرادة في كل المعارك القادمة حتى فتح مكة؟

إنها البدايات الصغيرة في حجمها لكنها الجليلة في إرساء القواعد لما بعدها: {ويريد الله أن يحق الحق} ، فبمجرد أن وضعت الحبة في الأرض، واطلقت برعمها الأول فقد آن لفرعون أن يحزم حقائبه.

إن فرعون قد دمّر وزال ملكه منذ أن حفظ الله موسى وجعله ينشأ ويترعرع في قصره.

إنها النطفة التي تتشكل منها العلقة فالمضغة حتى يستوي الإنسان على سوقه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت