فهرس الكتاب

الصفحة 14 من 553

لقد وقعت بدر قبل ذلك، بل وقعت بداياتها في الحقيقة والصحابة في مكة لما قال الله تعالى في سورة القمر {سيهزم الجمع ويولون الدبر} وحينها تساءل الصحابة الكرام عن هذه الجموع التي ستهزم، ثم رأوها يوم بدر. إنها البدايات التي لا تتحقق النهايات إلا بها فلها الفضل بقطع دابر الكافرين.

إنها البدايات الخجولة كشعاع الفجر تشق الظلمة الغاشية فتبصرها الأعين التي تعرف مكر الله الحسن بالمؤمنين فيأخذهم برفق وأناة وحب ورعاية يقيم بهم دورة من دورات الإيمان، ولكل دورة مستقرها فقد يكون الأخدود مستقرهم، وقد يقف بهم على مرمى حجر من الأرض المقدسة كما وقع لموسى عليه السلام، وقد يفتح بهم بيت المقدس كما وقع لآل زنكي والناصر صلاح الدين وقد يدفع الله بهم بلاءً عن بلدهم كما وقع في عين جالوت وشقحب، فهي دورات الإيمان لها مستقرها التي يريدها الله بها، لكنها تكون لها بدايات لا يفقهها إلا القليل، أما أن يعتقد البعض أن دورة الإيمان لا تكون إلا بأن تجتمع سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم كلها في شخصه وشخص جماعته وحزبه وتنظيمه أو دولته فهو واهم لأنه لا يفهم سنن التاريخ ولا فقه الحياة، ومثل هؤلاء (( المساكين بقلة علمهم وفهمهم ) )كثير في وسطنا الإسلامي اليوم. فهم يريدون فتح مكة من أول موقعة، ويريد قائدًا وراءه الأمة بأجمعها يسير بهم نحو فرعون عصرهم فيفتح له كما فتح للصحابة في القادسية واليرموك، فلهؤلاء يقال: إن هذه أحلام الجهلة العاجزين، وليس بمثل هذه الأحلام تسير الحياة ودوراتها.

{ليحق الحق ويبطل الباطل ولو كره المجرمون}

هذه مقاصد الرب جلّ في علاه في سوق الناس من خلال إراداتهم إلى ما يريد، ومن خلال ما يحبون إلى ما يحب، يخرجهم ويدبر لهم الأمر ليصل بهم-وهم أحبابه- إلى رفعة هذا الدين وعزته، وهذه المقاصد الإلهية من قطع دابر الكافرين، ومن إبطال الباطل وإحقاق الحق بإبانته وإظهاره للناس وإشهاره لهم بضرب القرن الكبير-وهي قريش يومذاك- هي التي يهرب منها المعممون اليوم والمفكرون، ومن لم يهرب منها فإنه يريدها من غير الطريق الذي أراده الله لهذا الدين.

{ليحق الحق} أي يجعل الحق (وهو الدين ههنا) حقًا له حياة بين الناس، وله ظهور وإشتهار وليس شهرته تعني رضا الكافرين عنه، بل {ولو كره المجرمون} .

إن هذا الدين لا يقبل التساوي مع الباطل، ولا يتعايش معه تحت أي دعوى كانت، فهما على الضد من كل وجه، وهذه الآيات تكشف أن هذا الحق بكل جلائه ووضوحه-ليحق الحق- لا يمكن أن يكون كذلك دون صراع مع الآخر، ودون منازلة له، ودون صدام بينهما، وإن مجرد قبول الباطل للحق يعني أن الحق قد تخلى عن"حقه"بأن يحقَّه ويكون هو الأعلى، وإن قبول الحق للباطل يعني أنه لم يعد حق ينازع الآخرين بأن يؤوبوا إليه ويتركوا ظلمتهم وجاهليتهم، وهذا ما يريده الباطل منه في هذا الصراع اليوم، وهذا ما تجشأ به الكثير من المعممين والمفكرين الذين ينطقون باسم الإسلام زورًا وكذبًا.

لقد رأينا (( الحق ) )في هذه الآيات هو النصر وهو القتال وهو الإسلام، وإنه ليس من الصدمة أن تتسمى هذه باسم واحد يجمع بينهما وهو الحق، فلا حق هناك خارج الإسلام، ولا حق بلا قتال ولا من غير تحقق النّصر على المعنى الشرعي الذي يحتاج إلى شرح كثير، وإنه لمن الحقيق بالإلتفات إليه أنه قد تَّمَّت هذه باسم معرف بـ (أل) ، فكأنها واحدة، وهي كذلك في جوهرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت