ثمّ إن هذا كله لا يجتمع إلا في سبيل واحد وهو الجهاد، يعني القتال، فلا سبيل سواه تقع به هذه الإرادات الإلهية الجليلة، وإن الذاهبين إلى تحقيق سلطان الله ودينه في الأرض بغير هذه السبيل واهمون، بل لن يسلكوا سبيلًا غيره إلا واضطروا لمسايرة الباطل والجاهلية، شاؤوا أم أبوا.
وقبل أن يبتسم الجاهل بلاهة واستهزاءً بحجة أن الجهاد اليوم (في زمن كتابة هذه الكلمات) إنما هو وقائع صغيرة ليس فيها إظهار لدين الله، بل هي البلاء للمؤمنين، أو هي عمل أفراد لا أمة ودولة، وليس فيها قطع لدابر الكافرين. فأقول:- سيكون الجواب تحت قوله تعالى: {يوم الفرقان} فهناك جواب الله لهم إن شاء الله تعالى.
{ويبطل الباطل} لقد صُدمت الجاهلية، وحصل عندها الخوف من هذا الوليد الجديد، فاهتز منها بعض أركانها-اهتز ولم يسقط- وضربت في كبريائها، وهي التي بكتها الله بقوله {أكفاركم خير من أولئكم أم لكم براءة في الزبر} فقد قالوا الكلمة القديمة الجديدة:"لسنا سواء"، وهي عين الشعار الجاهلي في كل وقت-نهاية التاريخ- والحق أنه"مكر الله"الذي سماه البعض من فلاسفة الغرب-مكر التاريخ- لأنه لم يهتد إلى يد الله الخفية التي تعمل عملها في الوجود.
لقد بطل باطلهم حين اهتزت النبوءة الجاهلية أنهم لا يغلبون، وأن يدهم أقوى من كل يد، وسلطانهم لا ينازعه أحد.
لقد بطل باطلهم حين تمت الصدمة الأولى تحت أعينهم، من خلال هؤلاء الفقراء الضعفاء المساكين، هؤلاء الذين لم يأتوا وهم كثير، ولم يقدموا بعتاد كعتادهم ولا بقوة كقوتهم.
قد بطل باطلهم حين ظهر خواء كل دعاواهم أنهم ملكوا البر والبحر والجو فلا يفلت من تحت أيديهم شيء.
لقد اهتزت قريش هزة أصابت كبرياءها وشموخها بين القبائل، وهذا في البدايات يستحق أن يقال له:- بطل الباطل.
-ولو كره المجرمون-: إن حصول الألم لهم ووقوعهم فيما يكرهون مقصد إلهي فانشطوا له وعليكم به، فإن من علم أصول الفقه أن أفعال الله يقتدى بها ما لم يكن من خصوصياته جل في علاه.
هذه مقاصد الإله العظيم، وهذه مقاصد ربّ محمد صلى الله عليه وسلم، وهذه مقاصد من نصر الصحابة رضي الله عنهم، وهذه مقاصد من أنزل الكتاب على أمة الإسلام.
وهذه هي الوسيلة الربانية الناجحة الناجعة الجليلة في إحقاق هذه المقاصد.
أقول هذا وليتألم المنافقون والمخالفون الجاهلون، ولكن مهما تألموا فلن يأتوا من التاريخ ولو حادثة واحدة خارج إطار"القتال"حصل كل فيها هذا الفضل أو ما يستحق اسمه.
إلى هنا وانتهى وصف حال أهل الأرض من المؤمنين وما هم عليه قبل اللقاء، وتدبير رب السماء، وصف يلقي صورة جامعة لمراد الإنسان المؤمن ومراد ربه منه، والمفارقة بينهما، ولكن هذا المؤمن يصلح بإيمانه واستعداده لأن تقع منه كلمة الله الكونية بالنّصر، لأنه هو قدر الله بإبطال الكفر وقطع دابره.
هذه الصورة تلقي الثقة في نفس المؤمن أن رعاية الله التي تديره وتدبر أمره، وأن ما يجري على الأرض إنما هو بحكم السماء تجريه وتوقعه.
هذه المفارقة بين مراد المؤمن في ما يجري له وبين مراد الله في سوقه إليه مقصدها الأول المناسب لموضوع الأنفال ليقول لهم لماذا:"الأنفال لله والرسول"وليست لكم، ولكنها تحمل دلالات أخرى يمكن للمرء أن يخوض فيها ويكثر القول ولكن حسبنا هنا أن نقف على هذا المعنى، ولكن حين ترى فئة مؤمنة أن ما ارادته ذهب ووقع غيره فإن حكمة الله أعظم وأوعب من مراد الإنسان في ضعفه وعجزه.