هذه رواية قرآنية فريدة تخللت عالم الغيب، كما تغلغلت في بواطن النفوس الإنسانية وجمعت بينهما في مشهد الحب الإلهي لهذه الفئة المؤمنة، ترشده إلى يد الله، وتهديه إلى مقاصده سبحانه وتعالى، وتهديده تقليب الحبيب لحبيبه حين تذكره بضعفه وعجزه؛ لكنك أنت كلمتي وبك سيصنع التاريخ.
هذه رواية القرآن بخصوصيتها لأنها صبغة الله- ومن أحسن من الله صبغة لقوم يؤمنون-.
{إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين، وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} .
هذا مشهد البلاء بين الجمعين، نقدم بوصف العلاقة بين الجند وربهم على وصف المشهد في صورته الواقعية الذي تأخر ذكره إلى قوله تعالى {إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم} لأن هذا المشهد الباطني فيه الجمع بين منة الله سبحانه وتعالى على جنده وملاءمة هذه المنة لهذا الوعاء الإيماني من أعمالهم رضي الله عنهم، فهم يستغيثون ربهم، وهذا مدح جليل من الله لهم، وفيه وصف لضعفهم وقلة ما هم عليه من العدد والعتاد، فطلبتم من ربكم الغوث، فلأنكم أنتم-فاستجاب لكم-.
إنها صور مختلفة تتراءى للناظرين لكنها تقف أمام خلفية واحدة هي المراد، خلفية المنة الإلهية على أهل الإستعداد لها.
إن هذه اللحظة التي يحصل فيها هذا الفعل الإيماني العميق (تستغيثون ربكم) لتستحق أن يقف عندها المرء متأملًا غورها و رهبتها وصراع النفوس فيها، فهذا هول تقدم بعض وصفه في قوله تعالى {كأنما يساقون إلى الموت وهم ينظرون} فهذا موت الصبر، هو ينظر إليهم بانتظار وهم يتأملون برهبة، وها هو قد حضر بأسبابه، فارتجفت القلوب ولا أكنان باطنة أو ظاهرة، إنما الإنسان في عراء نفسه أمام أعظم ما يصيبه وهو الموت، والموت مصيبة كما قال تعالى {فأصابتكم مصيبة الموت} ، فحينها تحصل الذكرى للنفوس المؤمنة فتتوجه إلى ربها، فهو مولاها، و هو الذي رعاها ووعدها إحدى الطائفتين.
{إذ تستغيثون ربكم}
استغاثة النبي الرحيم الشفيق على هذا الدين و أهله: اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد في الأرض.
واستغاثة الجنود مخافة الهلكة و الضياع، و الاشفاق على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يصيبه ما يكرهون.
إنه طلب العون لا مجرد الدعاء و السؤال، لأن الأمر جد عظيم.
{فاستجاب لكم}
هذه هي حقيقة المعركة في وصفها القرآني، وهو يقرر الحقيقة التي يعلمها رب العباد، وكيف تسري حركة الوجود الظاهري الذي يقف عنده المحجوبون -يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون- فههنا المعركة الحقيقية، وههنا تنبثق ما يراه الناس من وقائع، فهو عالم الغيب الذي تسير تقريراته من خلال أهلية أهل الأرض لوقائعه.
حقيقة المعركة التي يرى الناس نتائجها إنما حصلت حين وقف المؤمن بباب ربه يستغيث به، ويرقب عطاءه ورضاه ونصره وتأييده، فيستجيب الله له استغاثته، ويلبي له طلبه فيبدأ الإمداد الإلهي: {أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين} ، وقد علم كل المعانين السالكين في معارج العبودية أن هذا القول الرباني العبادة: {فاستجاب لكم} أنه أحب إليهم من الدنيا وما فيها، بل أن يرى الداعي المستغيث وقد أجاب الله دعاءه هو أحب إليه من الشيء الذي أعطاه إياه بهذا الدعاء، فقلوب السالكين إنما تطلع لهذا وهو أن يصلوا إلى حالة القرب التي يستجاب لهم إذا سألوه، وتكون الحال استجابة الحبيب