لمحبوبه، فأي برد يغشى القلوب المؤمنة إن حصل لها؟! و أي فرح غاش يبسط ظله على النفوس الظامئة لهذه المرتبة؟! لقد تقلب المرء في هذه الحياة، وقلبته ظهرًا لبطن، وخاض فيها وخاضت به، فقطعت و وصلت، وحاز ومنع فوالله الذي لا يحلف إلا به وهو مطلع على خائنة العيون وخفايا الصدور لم ير المرء في هذه الدنيا أحلى مذاقًا ولا أطيب عطاءً ولا أغلى نعمة و أجزل عطية من أن يرى دعاءه الذي استغاث به قد استجاب الله له، فيحس القرب، يستشعر جلال الربوبية التي يقشعر منها البدن فرحًا إيمانيًا، فكأنه في كنف النور يحيط به {قل بفضل الله فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون} .
واقع المعركة أن أهل الإيمان لا ينقصهم العزيمة، ولا الإرادات التي استعدت أن تخوض برك الغماد مع قائدها النبي صلى الله عليه وسلم، لكنه العدد الذي يشكون من قلته، فيرسل الله المدد، مدد السماء من جند السماء، يتبع بعضهم بعضًا، ليكون تتابعهم عونًا لكم وتكثيرًا لعدتكم، ومع ذلك فكل هذا هو لتروا دلائل البشرى التي وعدكم الله إياها -إحدى الطائفتين- ولتسكن القلوب فلا تجيش، ولتسكن النفوس فتقبل على أعدائها بثبات جنان وقوة عزيمة، ومع ذلك فليست الملائكة وما هم حاملين وقادرين عليه إلا أدوات ربانية وأما حقيقة (( النصر ) )فليس إلا بيده سبحانه وتعالى، فهو الذي عزت وتفردت قدرته، وهو الحكيم بهذه العزة لا يضعها إلا مواضعها.
وبدأت جنود السماء تعمل عملها لتمهد لحصول النتائج، ولكن لابدّ من وقفة ههنا، وهي سؤال يحضر في النفوس كثيرًا؛ هل هذه سنة مضطردة؟ وإذا استغاث رجال مؤمنون بربهم لنقص عددهم فهل ستحضر الملائكة عند كل استغاثة؟ وإذا كان كذلك فلماذا يتخلف النصر كثيرًا عن جماعات تقف هذا الموقف ولا يحصل لها هذا الذي حصل لجند الله في بدر؟
والحق أن هذا سؤال مهم وحري بالوقوف عنده، ولكنه سؤال كبير كذلك يحتاج إلى كثير شرح ليتم استيفاء بعض حقوقه ولكن يكفي أن نقف هذه الوقفات فنقول:
أولًا: لقد جرت سنة الله تعالى أن لا تنزل بركات السماء إلا على وجود مثلها من مادة الأرض، ولو تأمل الناس الأحاديث الكثيرة في دلائل النبوة ووقفوا عند حصول البركة في الطعام والماء لوجدوا أنه ما بركة حصلت لهم في شيء منهما إلا بعد أن وجد أصله من مادته الأولى بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد بصق رسول الله صلى الله عليه وسلم بريقه الشريف في بئر ماء، وكذا وضع يده الشريفة في إناء ماء، وكذلك جمع ما تبقى في أيديهم في غزوة تبوك من طعام فدعا له حتى أكلوا كلهم منه، ومثله حديث جذعة جابر رضي الله عنه، كل هذا يدل على بركة السماء لا تنزل إلا على وجود مثلها من مادة الأرض، فهل الملائكة نزلت تضرب الأعناق وتبشر المؤمنين بالنصر وتسكن قلوبهم التي هالها كثرة عدد أعدائها إلا وهم يحملون مادة الأرض من أدوات القتال والحرب، بل أحضروا كل وسعهم الذي قدروا عليه؟!، ولذلك فبركة السماء هي كنار السماء التي كانت تنزل على غنائم الأمم السابقة فتحرقها، فإن لم تنزل دل على أن في الناس خيانة وتقصير، فترك البذل يعني منع البركة، والتقصير في أداء الوسع مانع من حصول النماء، فهذه قاعدة مضطردة في معاملة رب العالمين لعباده المؤمنين في كل وقت، ومن تأمل هذا علم أن الكثير من هزائمنا سببه خيانة من خان، وحبس من حبس ما يقدر عليه، وتقصير من قصر فيما يستطيع أن يأتيه، حينها لا يكون القوم أهلًا ولا وعاءً صالحًا لما سينزل من السماء، والنازل من السماء عزيز ليس بالهين ولا بالرخيص، فلا يبذل إلا لمستحقيه، ولذلك وجد جهلة في هذه الأمة يريدون نزول الملائكة تؤيدهم وتقاتل عنهم وهم مجرد أحلاس بيوت لم ينفروا حتى لكلمة يصيحون بها بين الناس يقوون بها عزائمهم، والحق أن هذه الأسئلة لم أرها بين المجاهدين لأنهم يرون نصر الله لهم في الوقعات، وتأييد الله لهم في العمليات والنزالات لكن هذه الأسئلة إنما ترد كثيرًا على ألسنة القاعدين بل على كثير من ألسنة المثبطين.