ثانيًا:- عوامل النصر السننية كثيرة فمنها ما يتخلف بالعجز ومنا ما يتخلف بالكسل، وليس أحدهما كالآخر، ومنها ما يكون ضده قد حضر كجهل وسوء تدبير، فإجابة الدعاء تحصل عند إستعداد وعائه له، وأما عند حصول ضده فالإجابة حينئذ على خلاف السنة، ولذلك فليتأمل الناس سبب تخلف النّصر ولا يعلقوه على عدم إجابة الدعاء، فإن الإيمان قول وعمل، والعمل لا يصح إلا بإرادة جازمة وقوة تامة، والقوة هي سلامة الأعضاء وخلو الموانع، وشرح ذلك يطول لكن هو موجود في مظانه من كتب أهل العلم، ومن تأمله على بصيرة وفقه أدرك الكثير من أسباب تخلف النصر، ولذلك من الخطأ أن يظن البعض أن مجرد العدد في حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (( لا يغلب اثنا عشر ألف من قلة ) )به يتحقق النصر لزومًا، فهذا باطل في الفقه والنظر، لأن المقصود عدم تعليق سبب الهزيمة إن حصلت على قلة العدد إن وجد هذا الرقم، لكن يمكن أن يغلب مائة ألف وأكثر لسبب آخر لكنه لا يعود إلى قلة العدد، بل ربما للعجز أو الكسل أو الجهل، فإن مات الآلاف قد تحصد بقذيفة واحدة لأنهم ليسوا أهل قتال، وقد يكونون أهل قتال من غير أدواته، وقد يأخذهم بطر العدد إلى الغفلة وسوء التدبير، لكن لا يمكن أن يكون سبب هزيمتهم قد جاء من جهة العدد.
ثالثًا:- لابدّ من معرفة معنى النّصر في كتاب الله تعالى، لأن فهم الكثير من الناس لمعنى النصر على غير مدرك القرآن ومقاصده، وهذه تحتاج إلى بيان مستقل ومؤلف شامل لأهميتها، فإن كثيرًا من الألفاظ القرآنية لها معاني تحتاج إلى كشف وتوضيح لنعرف حقيقتها ومن ذلك كلمة (( النصر ) )، فالنصر الذي يطلبه الناس اليوم من أي فعل جهادي لا يمكن وجوده إلا في الذهن لعدم سننيته وإغراقه في الوهم والحلم، فالبعض يطلب من أي فعل جهادي في العالم أن يعيد له فلسطين، وبعضهم يطلب من أي فعل جهادي أن يقيم دولة الخلافة، وهذا لم يقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو فكيف لمن بعده، فهذه بدر-نصر عظيم- أعظم ما تحقق منها أن حميت العصابة المؤمنة من الفناء كما كان يرجو قائدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخروج من مكة مهاجرًا منتصرًا فقال تعالى في وصف هذا الموطن {إلا تنصروه فقد نصره الله إذ أخرجه الذين كفروا ثاني اثنين إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا، فأنزل الله سكينته على رسوله وأنزل جنودًا لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا والله عزيز حكيم} ، وهذا الخروج لو وقع اليوم لمجاهد فأطلق عليه واصف هذه الأوصاف القرآنية لضحكت منه عمائم ولحى لا الملحدين فقط، ولكن الكثير من المسلمين يتعاملون مع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من التقديس الذي يخرجها عن عالمها الأرضي فلا يتأملون الوصف القراني الجليل للحدث نفسه كما هو مجردا، والواجب النظر إلى الحدث نفسه كما هو في عالمه الأرضي بعيدا عن الوهم الذهني وسطوة الأسماء ثم يرون بعد ذلك وصف لله لهذا الحدث حينها تقع العبرة القرانية، وبهذه العبرة يرون التجدد لهذا الحدث في التاريخ وفي زمانهم ما كان في الناس جهاد ومجاهدون، أما خلط الأمرين ابتداء دون ربط الحدث بالفعل الإنساني والسنة الأرضية فإن الكثير من المعاني القرآنية تصبح مفرقة في الحلم البعيد، فهجرة النبي صلى الله عليه وسلم حدث إنساني لقائد أراده اعداؤه - ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك - فخرج من بينهم، وهذا الخروج كما ترى احدى احتمالات المكر الذي اراده البعض منهم، وهو مع كل هذا نصر عظيم في نجاة هذا القائد من بين ايدي اعدائه، ومثل ذلك ما وصفه الله من نصره لنوح عليه السلام حين قال تعالى {ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا، انهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين} فالنصر هنا هو نجاته من الهلكة التي وقعت بأعداءه من إفنائهم بالآيات الكونية، فالنصر هو تحقق مراد المؤمن في موقعته التي هو فيها، فقد يكون مراده النجاة فينجوا فيكون هذا نصرا ويقع فيه ما قال تعالى لنبيه {وأنزل جنودا لم تروها وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا} ، وقد يكون النصر إذهاب مراد الكافرين الذين