فهرس الكتاب

الصفحة 19 من 553

أرادوه من المجاهد أو المؤمن، فيحميه، فكل هذا نصر ينبغي تسجيله كآية من آيات الله في جعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا، فالسائلون عن النصر كما في أذهانهم إنما هم يسألون معدوما لا وجود له في سنة الأرض ولم يجر قط لنبي أو لولي أو لمجاهد، ولذلك فالحق أن بدر تتكرر في كل زمن، ويتكرر بعضها في مواطن عدة من حياة المجاهدين-هم يرونها دون غيرهم من أهل الوهم والأحلام العريضة.

وبهذا أقف ههنا وإن كان في النفس مقالات أخرى للإجابة على السؤال المتقدم.

{إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به ويذهب عنكم رجز الشيطان وليربط على قلوبكم ويثبت به الأقدام} .

لقد تقدم وصف جيشان نفوسهم: {كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون} فكان ما يقابلها (لتطمئن قلوبكم) وقد حصل، وها هنا مزيد احسان وعطاء ومنة، إنه الفتح الالهي للنعم التي لا راد لها (ما يفتح لله من رحمة فلا ممسك لها) (وإن يردك بخير فلا راد لفضله) ، فها هي نعم زائدة بعد حصول الاطمئنان، إذ غشي عيونهم النعاس لما حصل لهم من الاطمئنان الباطني بأن شعروا أنهم في كنف الاله العظيم فقرت نفوسهم بالأمن فجال فيها النعاس يغشاها، فخفقت الرؤوس في موطن تجهر العيون بأحداقها فتكاد تفر من محاجرها، و المرء قد يكون في أمان باطني لكنه يتفكر في ما أمامه فيشغله في ذهنه و عقله، وأما هؤلاء الجند الأحباب لربهم فقد غشيهم النعاس حتى أسبلت العيون وخفقت الرؤوس ولا يكاد المرء يصمد واقفًا أو جالسًا على دابته، وتفلتُ الأيدي ما بها، وكل هذا لما حل بهم من الإطمئنان وغشيان الأمان.

ثم نزل المطر بماء طهور من السماء ليغسل عنهم حوباتهم الباطنية وغبار أبدانهم الظاهرة ويصرف عنهم كل علائق الشيطان التي في نفس الإنسان، فتربط القلوب على ما فيها من أمان و اطمئنان وإيمان وثقة بالله تعالى فتقف الأرجل بثبات لا يتزعزع ولا يريم.

(ولهذا المطر سر في طبيعة الأرض وأثره عليها يراجع في مواطن من السيرة النبوية الشريفة)

لكن تأمل غير مأمور هذه الأسباب التي كان الصحابة وعاءً لها، وهي أسباب النصر العظمى التي تبذل الجيوش الكثير من جهدها لتهيء جنودها بها، وهي أسباب يعرف بعضها عندهم ويجهلون اكثرها، فما معرفتهم بسر هذا المطر النازل من السماء في هذه الحقائق العسكرية التي تلزم المجاهد في سبيل الله تعالى؟!

هذه أدوات السماء التي بها يحقق النّصر، وهي أدوات يحملها مستحقوها من الشعث الغبر الذين استجابوا لله وللرسول ولم يقولوا له إلا اذهب أنت وربك فقاتلا ونحن معكما مقاتلون.

{إذ يوحي ربك إلى الملائكة أني معكم فثبتوا الذين آمنوا سألقي في قلوب الذين كفروا الرعب فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان} .

قف على أعتاب هذا الخبر الإلهي وطف بكل تدبر لترى هذه الهزة و القشعريرة التي ستعترى جلدك، ولترى هذا الخفقان الندي بين جنبيك، وتنعم بتجدد ذكر الرب وهو يقول:- (إذ يوحي ربك) لهول ما سيكون، وارتد ببصرك إلى عالم آخر لا تشهده أبدًا إلا من خلال خبر الله له، لترى المعركة في جوها وميدانها الآخر، حيث يصدر أمر الرب لجنوده الأخفياء لتحقيق أعمالهم الظاهرة والباطنة، فهناك ثمّة قيادة وجنود آخرين هم معكم، يرونكم ولا ترونهم، ثمّ تنعم أن الله كفّل المؤمنين للملائكة، وأنزل عليهم الأدوات التي بها يتم فعلهم في أعدائهم، لكن تكفل الله بفعله بأعدائه فقال: سألقي في

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت