فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 553

قلوب الذين كفروا الرعب فإن طاشت عقولهم وحلومهم وصارت قلوبهم هواء فعليكم بهم- فاضربوا فوق الأعناق واضربوا منهم كل بنان.

إن هذا الهول العارم، وهذه الحركة السماوية العجيبة لتدفع المرء للتساؤل: لم كل هذا؟ فيأتي الجواب:- {ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاقق الله ورسوله فإن الله شديد العقاب} فحين تكون المعركة على هذا المعنى أو ما كان منه من المعاني فإنه يستحق هذا الدفق الغيبي الكبير، فتعسًا لقوم يستحقون أن يجعلوا معاركهم وحروبهم على غير حق الإسلام والإيمان، وعلى غير حق الله ورسوله صلى الله عليه وسلم.

ويحق للمرء أن يقف فيقول:

هل كل هذا يستحق نتيجته الواقعية؟

وهل كل هذا يستحق طبيعة المعركة من حيث جنود الأعداء وعتادهم وقوتهم؟

فملك واحد يقدر على إزالة الكافرين وإبادتهم.

وملك واحد قادر على أخذ المؤمنين فوق رقاب الكافرين أجمعهم.

أسئلة تتبادر إلى الأذهان في هذا السياق العظيم مع وصفها لحدث السماء مع ما علموا من حدث الأرض، ولكن لو تأمل المرء معنى الإحتفاء الإلهي بجنده في الأرض لما استكثر عليهم هذا، فإن هذا الموطن هو موطن الكرام وإعداد الانعام لقوم يحبهم الله ويحبونه فكان هذا.

ثمّ إنّه من سنن الله تعالى مع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم أن يجري ما يقع معه على معنى السنن الأرضية لتكون عبرة للمؤمنين من أتباعه بعد ذلك، فإن ما جرى من بدر هو على سنن الارض في كل شيء، لكن هذا الحدث ما كان ليقع على هذا المعنى لولا هذه العناية الإلهية التي وصفها في كتابه لهذا الحدث، فالصحابة ضربوا فوق الأعناق وضربوا كل بنان، وثبتوا ثبات الجبال الرواسي، وتدافعوا تدافع الحمم نحو مستقرها، لكن كل هذا وقع بسر إلهي خفي هو فضل الله عليهم ومنته التي تتخللهم، فالفعل فعل الصحابة، والتوفيق والإمداد والإعداد والإعانة والنصر والتأييد وتخذيل الكافرين إنما هي عطايا ربهم الكريم، فليس لأحد بعد ذلك أن يتألى على الله تعالى أن تعامله مع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في بدر جرى على خلاف السنن الكونية ووقع على معنى المعجزة التامة فلا تصلح للإهتداء والإقتداء والإتباع، فإن هذا يفقد السيرة النبوية معنى الأسوة وهي المراد الإلهي لكل قارئ لكتاب الله بعد ذلك، فالملائكة تنزل دومًا في كل معارك المؤمنين، تنزل على معنى من المعاني، فيقع معنى من معاني النصر الذي تنزل به، فيحمد المؤمنون ربهم على هذا التأييد والإمداد، ولا يحسّ بهذا إلا من وقف هذه المواقف أو أحبها ووالاها.

هذه الكرامات الإلهية ما هو موطنها؟ إنه الجهاد في سبيل الله تعالى.

إن هذه الحركة السماوية العجيبة لا ترى ولا تشهد إلا في مواطنها التي كانت فيها لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كبدر هذه، إنها لا تشهد إلا في غمرات الجهاد وما معه، والعابدون بغير هذه العبادة -أي القتال في سبيل الله- يقطعون أنفاسهم حتى يحسوا هذه المعاني فلا تحصل لهم، فإن الجهاد في سبيل الله تعالى لا يعدله شيء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم.

هكذا تتقدم هذه الآيات وتقدّم وصفها الدقيق الشامل لكل القضايا التي سبقت المعركة وواقع المعركة، فهذه هي الصبغة الإلهية في كشف الحقائق عن الإنسان ودخائله وإختياراته، وكيف يكون المؤمن في المحن وهو يبسط كف الضراعة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت