والإستغاثة، ثم هذه الصبغة بخصوصيتها في حديثها عن السماء، حديث الإله عن نفسه وعن أمره، ومقاصده العليا الجليلة، وتدبيره المحكم، وعن علاقته بجنود الأرض وجند السماء فما الذي يبقى للمؤمن من إدراك وفقه ليجتهد ويبحث ويقول؟، هذا السؤال هو أعظم أنواع الإجتهاد الذي يبتلي الله به عباده العلماء، والأمر كما قال الشافعي في الرسالة (ما معناه) : أن الله ابتلى عباده بالإجتهاد والنظر كما ابتلاهم بالأمر والنهي، فالفقه كل الفقه هو هذا التالي اللاحق لتلاوة صبغة الله تعالى.
إن أعظم مدارك الفقه كل الفقه للفقهاء الربانيين أن يروا هذا الحدث يتجدد في كل الأزمان، لا حادثه عين لها فرادتها في تاريخ الإيمان، فإن القول بهذا القول هو قطع لمعنى العبرة القرآنية في سوق هذه الآيات ليتلوها المؤمنون في كل وقت، فحين يجهل (( فقيه مدّعي ) )بدرًا أخرى في تاريخ الإيمان بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد أصحابه، وحين يجهل هذا بدرًا أخرى في زمانه الذي يعيشه، والجهاد قائم على سوقه، فهو في الحقيقة أعمى وأضل سبيلًا، فما كان الفقه يومًا إدراك معنى للفظ فقط، ولا لرواية نص فقط، إنما هذا هو أعظم درجات الفقه لكتاب الله الذي طلبه من المجتهدين والعلماء الربانيين، وهؤلاء الذين يتلون كتاب الله تعالى وكأنه ينزل عليهم، ويصف وقائعهم فتحصل لهم مشاعر عزة المؤمنين، وتثبت عندهم معاني الصلة بالسابقين، ويترسخ لديهم اليقين على كلام الله ووعده وتأييده، وخلو الناس من هذه المعاني هو عين الجهل بكتاب الله تعالى. كما أنه جهل بالله تعالى وسنته في الوقائع والأحداث.
لقد كانت بدر بهذا الوصف القرآني جامعة لمنح وعطايا عديدة، وإن من الفقه أن يدرك (( الفقيه ) )أن هذه المعاني المجموعة هنا قد تتفرق فيأتي بعضها في حادثة أو ما كان في معناها كالمطر الذي نزل على أهل بدر، وقد يحصل تخذيل للكافرين وبث الرعب في قلوبهم فينصرفون عن القلة المؤمنين دون تحقيق مقاصدهم الكافرة فيهم، وقد وقد، فبعض هذا قد يقع فحينئذ تقع بدر في معنى من معانيها، وتسري في الزمان آيات الله تحيى واقعًا وفعلًا، وتجدد للمؤمنين فتحصل العبرة القرآنية؛ فبدر في هذه الآيات ليست حدثًا ماضيًا ذهب وانقضى بل هي روح تسري في التاريخ، لأنها في واقعها: مكر الله الحسن بالمؤمنين، ويد الله التي تجري الأمور إلى مستقرها، وهي عناية الله بهذا الدين وأهله.
في أثناء ذكر هذه المنن والعطايا تأتي الأوامر الإلهية لتهيء أوعيتها الصالحة لها، وهذا فقه آخر يريده الله من عباده، فإن العطايا لو أعطيت لغير مستحقها فلن ينتفع بها ولذلك قال تعالى في معرض أوامره التي تلت ذلك:- {ولو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون} وأمر هؤلاء كأمر دعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم:-"فنعم إذًا".
فالناس حين يطلبون مدد السماء بدون وجود أصله في الأرض وبدون استعداد الطالبين له إنما هم معتدون في الدعاء، ثم كيف يطلبون النصر دون لقاء الأعداء والثبات لهم وثني الركب في مطاعنتهم؛ وللأسف هذا حال الكثير من هذه الأمة في هذه الأيام، فالجهاد عندهم كلمة جميلة يتغنون فيها في خطبهم ودروسهم، فإذا حضر واقعًا ذموه بكل مقالة، وطعنوا في أهله كل الطعن، هذا إن كان الرجل منهم حاملًا معنى الجهاد على معناه الشرعي، فإن الكثير من المعممين وأصحاب اللحى اليوم يذمون الجهاد وفي أصل وصفه الشرعي حيث يحملونه على غير مراد الله سبحانه ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم.
{فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسنًا إن الله سميع عليم}
إن مناسبة هذه الآيات مع قضية الأنفال واضحة جلية وهي ضمن سياق المراد الإلهي في نزع الأنفال منهم، لكن الأمر أجل من ذلك وأعظم في معاملة الله تعالى لأصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم، فإن الأمر في باطنه هو ارتقاء هؤلاء الصحب ليكونوا قدره الحسن وليبلي المؤمنين منه بلاءً حسنًا- فهذا بلاء حسن وهو أن يضرب الله بهم، ويقتل بهم،"فلم"