فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 553

تقتلوهم ولكن الله قتلهم"، فلقد كنتم ارادته، ولقد كنتم سيوفه وحرابه التي أعملها في الكافرين، فهل هناك -يا قوم- أجل من هذه المرتبة؟ هذه المرتبة التي تساق في وضع الصحاب مقام الرسول صلى الله عليه وسلم"وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى"و بهذا يرد على الذين يريدون أن يكلوا أمر الفضل الإلهي بين الخلق، مؤمنهم و كافرهم، صالحهم و فاسدهم، ليوم القيامة، والحق أن المؤمنين هم كلمته وبهم يقع قضاؤه على الناس، فبهذا تحصل مشاعر العزة وتحقق الربانية فيهم -كونوا ربانيين-، ولذلك فليس البعث شرعيًا للتبليغ فقط، بل هو بعث ليتحقق قدر الله في إصلاح الخلق -فأما الزبد فيذهب جفاءً و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض- فهذه صفة الطائفة المجاهدة في رقيها و صلتها بالله و تمكن معاني العزة الإيمانية في قلوبهم."

أنتم أيها المجاهدون المقاتلون سيوف الله، بكم يضرب أعداءه.

أنتم أيها المجاهدون المقاتلون قدر الله الذي يحقق بكم صلاح الوجود، هذا الصلاح الذي قرنه الله تعالى بوصف القتل فقال: -فلم تقتلوهم، ولكن الله قتلهم- فإن قتل أئمة الكفر لا يتم صلاح العالم إلا به.

أما أن هذا هو البلاء الحسن، فهو بلاء الكلمات التي تصيب هذه السيوف في قتلها و قتالها، وهو بلاء الألم حين تجهد وتتعب، أما أنه حسن، فهو حسن حين انتسبت هذه السيوف له، فصرتم به و له ومعه، وهو حسن بعاقبته التي يفرحون بها.

في هذه الآيه افراغ النفس في دفائنها ومقاصدها ورغباتها، لكنه إفراغ ليتحقق الاملاء بأنكم صرتم لله وحده سبحانه، وهذا المعنى هو الذي هدد الله به الكافرين من أعدائه حين قال عقب ذلك:- {إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح وإن تنتهوا فهو خير لكم وإن تعودوا نعد ولن تغني عنكم فئتكم شيئًا ولو كثرت وأن الله مع المؤمنين} .

نعم:- إن الله مع المؤمنين حقًا وصدقًا ويقينًا.

لقد مضت السورة إلى نصفها و السؤال ما زال قائمًا في نفوس الصحابة رضي الله عنهم: هل نحن لنا الرزق الكريم؟ وخلال هذا الترقب و التلهف وردت الأوامر الإلهية المرشدة مع النداء المحبب لهم: يا أيها الذين آمنو ... - فتصغي القلوب بإخبات وخضوع و استماع، وتتخلل هذه الأوامر نعماؤه فيعد بعضها مما يناسب المقام:- {واذكروا اذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطبيات لعلكم تشكرون} ، وهذه النعم العظيمة من نصر الأمان والإيواء هي التي مهدت لكم أن تنفروا لغيركم فتصبح إرادتكم مني نيل أعدائكم ممكنة، وهذا النصر من الأمان و الإيواء ورزق الطيبات يوجب عليكم شكره تعالى.

هذه الأوامر الإلهية تقترن مع وصف الكافرين، وهذا الوصف مقصده تجريد الكافرين من أسس فخارهم و سلطانهم على قلوب الناس وحياتهم، وهذه تهمة قرآنية جليلة يحتاجها المؤمنون لتقوية ارادتهم في النيل منهم، ويحتاجونها للرد في الاتهامات التي يرميهم الناس بها، ويحتاجونها لارساء قواعد جديدة في الحقوق التي يتعامل بها الخلق.

لقد جردهم الله من نسبتهم لإبراهيم عليه السلام: {ما كان ابراهيم يهوديًا ولا نصرانيًا ولكن كان حنيفًا مسلمًا وما كان من المشركين، إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والله ولي المؤمنين} .

وجردهم من قيمة إعمار المسجد الحرام: {اجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله و اليوم الآخر وجاهد في سبيل الله- لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين} .

وههنا جردهم من صلاتهم عند البيت وما كانوا أولياءه إن أولياءهم إلا المتقون، وما صلاتهم إلا صراخ ورقص وتصفيق" {وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاءً وتصدية فذوقوا العذاب بما كنتم تكفرون} "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت