(( خصمان اختصموا في ربهم ) )كما قال عنه في سورة الحج، ولا عبرة بالكثرة ولا بالقلة كما لا عبرة بالسلاح والعتاد حين يطلق هذا الوصف الجليل، إنما العبرة أن تكون فيه خصومة المتقاتلين على ربهم.
وحتى لا ننسى ونحن في سياق بيان خصومة الطائفتين على ربهم أن نذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم خرجوا للعير ليغنموها، وخرجت قريش لتمنع النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أخذ المال، ولكن ساقهم الله جميعًا إلى"الفرقان"و"الحرب"و"القتال"، ذلك لأن الصحابة استحلوا مال قريش لكفرها، فإن عدد الانصار يومئذ أكثر من ثلثي الجيش وهؤلاء لم يخسروا مالًا في مكة يستردوه لو كانت علة الأخذ هي المقابلة، فإن من تفكر بهذا علم بعض فقه هذا الوصف (( يوم الفرقان يوم التقى الجمعان ) ).
سيبقى الجزء الأكبر من معركتنا مع فقهاء التخذيل وأقماع الباطل ودعاة الخبال، وألسنة السوء حول شرعية المعارك التي يخوضها المجاهدون اليوم وغدًا، وبالرغم من ظهور الآيات العظيمة أن هؤلاء المجاهدين يعيشون بدرًا في كل معركة يخوضونها على معنى من المعاني إلا أنه عقب كل معركة سيشهد هؤلاء سيفًا من خشب الباطل والنفاق، إذ ليس عجيبًا أن يوقت المؤرخون انتشار النفاق في الصف المسلم إنما كان عقب بدر هذه التي كانت آية من آيات الله تعالى، لكن {وما تغني الآيات والنذر عن قوم لايؤمنون} .
إن امتحان المؤمنين بقول الله لهم: {إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان} هو امتحان أبدي لكل موقعة يشهدها المجاهدون فيرون نصر الله لهم، وتأييده، وانزاله الجنود السماوية عليهم، وهو امتحان لكل مؤمن وعبد ينتسب لهذا الدين، فقوله: (( وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان ) )، هو ما ينزل على المجاهدين الذين يصيبون من أعدائهم تلك الغنائم الكريمة، فإذا كان حكم الغنائم أبدي لا ينتهي وليس معلقًا على وجود الرسول صلى الله عليه وسلم فإن السبيل واحد حيث ينزل الله تعالى نصره على أمثال بدر.
{إذ أنتم بالعدوة الدنيا وهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منكم ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ولكن ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة وإن الله لسميع عليم}
هذه جغرافية المعركة دبرها الحكيم العليم على هيئة تحقق النصر، إذ هدى الله أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الإشارة إليه صلى الله عليه وسلم ليقيموا في مكان أصلح لهم في مقابلة عدوهم، وبعد ذكر المكان ووصفه جاء ذكر تدبير الزمن بقوله تعالى (( ولو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد ) )فقد ذكر تدبير المكان وتدبير الزمن ليبين الله احاطته التامة لجنده وتدبيره المحكم حتى يقع الفعل الذي قدره، وكل ذلك: (( ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حيّ عن بينة ) )وهذه فضيلة أخرى للجهاد في سبيل الله تعالى وهي إبانة الله تعالى الحقائق للخلق حتى تقوم عليهم الحجة بكاملها وتمامها.
لا أحد أحبّ إليه العذر من الله تعالى ولذلك أرسل الله رسله، وأنزل معهم البراهين الدالة على صدقهم ونبوتهم، ونصب الآيات حتى تنقطع أعذار الكافرين، وانقطاع الأعذار لا يعني أبدًا أن يصيحوا ويعترفوا بخطئهم وصواب دعوة الحق، فإن هذا لا يكون أبدًا، لأن الجحد الذي ينهجوه هو سبيلهم دومًا كما قال تعالى عن قوم فرعون (( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ) )وقال تعالى عن أعداء محمد صلى الله عليه وسلم من الكافرين (( فإنهم يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون ) )ولذلك كانت آيات الله مبصرة لا ظلمة فيها كما قال تعالى على لسان موسى لفرعون (( لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ) )، ومن دلائل ربانية هذا الدين هو بقاؤه وانتشاره، وكذلك نصرة الله تعالى