الحياة وتبقى، وحين ينقطع هذا الخيط ينتهي هذا الوجود كله لانتهاء مقصده، ومن ميزة هذا الخط أنه دقيق قد يأتي على هامش الصخب البشري كما قال تعالى (( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى ) )وقد يتسلل خفية (( وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه ) )وقد يسرى هذا الخط لاجئًا إلى كهف يستتر منه لعدم إتساع الوجود مع سعته له (( إذ أوى الفتية إلى الكهف ) )، وهو خط على الدوام تدخله العيون -شرذمة قليلون- ويحتقره الملأ -ما نراك اتبعك الا الذين هم أراذلنا-، ويأنف منه المستكبرون (( قال الذين كفروا إنا بالذي آمنتم به كافرون ) )، لكنه خط الذهب الذي يقدره أهله لأنهم يرونه بما يراه الله به، لا بما يراه الجاهلون - {فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم} -ويقولون: {وقالوا لولا أنزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} ، فمنطقهم هو منطق وخطاب فرعون: {أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين} .
هؤلاء الذين يعظمون حوادث العالم دون النظر إلى وجود هذا الفرق بين الذهب هم أهل الجهالة، ولذلك لما كانت بدر بين فئة هم أعظم من دبّ على الأرض بعد الأنبياء، وبين فرعون هذا الوجود استحقت هذا الإسم القرآني المجيد -يوم الفرقان- ولذلك كانت نتائجها عظيمة حيث يقول الله تعالى عن موقف أهلها فيها: {هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق، إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الانهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير وهدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد} - كما ورد في وصف المتبارزين في سورة الحج أمام هذه الغزوة من حمزة وعلي وعبيد بن الحارث رضي الله عنهم مقابل خصومهم، وهذا وإن كان وصفًا للمتبارزين فهو وصف لحقيقة الفئتين جميعًا.
إن وجود عامل الإيمان في حادثة تاريخية هو ما يستحق أن يبجل ويعظم ويشاد به ويمدح، أما وقائع الحياة الأخرى من غير وجود عامل الإيمان فهذه هباء وفراغ لا تستحق الذكر ولا التنويه.
إن خطوات موسى وهو يسير في الصحراء متوجهًا إلى مدين يتبعها القرآن فيسجلها ويُعلم المؤمنين بها، وإن رجلان ليخرجان في سبيل الله لإقامة دين الله ليقص القرآن علينا حديثهما وخبرهما، وإن فئة مؤمنة تهرب حتى لا تفتن في دينها ليفصل القرآن لنا اخبارهم وحديثهم بل ماذا يحبون من الطعام -فلينظر أيها أزكى طعامًا فليأتنا برزق منه-.
إنه مما اصاب المسلمين من وهن في فقههم ونفوسهم ومداركهم أن توقفت رواياتهم لحوادث الايمان التي يعظمها القرآن من خلال معياره الحق، لأن من الانهزام الذي أصابهم هو تعظيم الآخر في كثرته وأفعاله وحروبه وقضاياه، فقد رأينا من المسلمين الملايين الذين يتابعون خبرًا لزواج عظيمًا من عظماء الكفر، ورأينا لحى وعمائم من يستطيع أن يلوك مئات الأسماء لفسقة أو فجرة في باب من أبواب متع الحياة وبضاعة الاستهلاك، وإن سئل عن قضية حية من قضايا الايمان في بلد من البلاد كان فيها أجهل من أبي جهل،"فيوم الفرقان"عند هؤلاء هو يحكيه العالم الآخر عن قضايا الاسلام والمسلمين، لأنه من أقماع الباطل في ما يسمع ويذر.
لقد توقفت كتابة التاريخ الاسلامي اليوم لأن من يهتم بالتاريخ وكتابته لم يعد لديهم اهتمام بالحدث الايماني كما كان عند أسلافهم ممن كتبوا عن رجال الايمان وأحداثه ووقائعه اقتداءً بالقرآن الكريم، لكن أين هؤلاء اليوم الذين يفقههم القرآن ويربيهم ويثقف عقولهم ونفوسهم ومناهجهم؟ إن"يوم الفرقان"يوم من أيام الله علة قيمته أن الايمان قد فرق بين الطائفتين