فهرس الكتاب

الصفحة 24 من 553

والثقافات، فهناك اسلام عجمي واسلام غربي واسلام شرقي، فبدل أن يلتزم الناس بالدين الحق صار الدين مطية للأهواء والرغبات والعادات، وهذه الدعوة اليوم لها رجالها وقضاتها ومفكروها ومفتوها، وهي دعوة كفر صريح وردة عن اسلام القرآن والسنة بلا مثنوية.

إن الواجب أن يلتزم كل مسلم كل دين الله تعالى ولا يرد فيه شيئًا ولا يكون المرء مسلماَ إلا بهذا، وأما العمل به فهذا له باب آخر، فإن الأعمال تتفاوت درجاتها في الشريعة وبالتالي يتفاوت الناس في درجات إيمانهم.

{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير}

لقد تحقق لهم الرزق الكريم بعد هذه النقلة الايمانية الجليلة الجميلة مع النور والتربية، ومع الارشادات والوصف، ومع المدح والثناء والمنح، بعد كل هذا هم أصحاب الدرجات والمغفرة فلهم الرزق الكريم، ذلك لأنهم المؤمنون حقًا.

ومع هذا العطاء الرباني غاب ما سيأخذون فلم يذكر، وذكر ما يؤخذ منهم مع أنه القليل لأنه الأبقى"فقد بقي كلها إلا ذراعها"، وقد نسب الله تعالى إليهم الغنيمة -غنمتم- فكان ما سيؤخذ من الخمس هو مما لكم تصدقتم به صدقة واجبة، لكم أجرها وبرها وقبولها منكم أحسن القبول.

لقد تقدم الوصف التفصيلي لعالم الغيب وأثره في عالم الشهادة، وههنا قد تأخر وصف جغرافية المعركة لكن لنقف مع قوله تعالى (( يوم الفرقان يوم القتى الجمعان ) )إذ في هذا الوصف ليوم بدر ما يستحق أن يقال.

لقد كان الوعد قبلًا أن نرد على الذين يعيبون وقائع الجهاد بأنها وقائع صغيرة في حجمها، إذ ليست هي بحجم وقائع العلم الكبرى وحروب الأمم، وعلقت الرد على هذه النقيصة المزعومة عند قوله تعالى: (( يوم الفرقان (( فأقول وبالله التوفيق:-

هذه بدر بين أيديكم، ضعوها في مسيرة تاريخ البشرية، ضعوها من حيث عدد الجنود المتقابلين، ورتبوا لها مرتبة بحسب السلاح الذي استخدم فيها، وبحسب عدد القتلى فيها ونتائجها، وبحسب آثارها القصيرة ثم أجيبوا بعد ذلك عن هذا السؤال:- هل هذه تستحق"يوم الفرقان"؟.

إن هذه المعركة في أبعادها المادية، وبالمقارنة مع حروب العالم ووقائع التاريخ ليست شيئًا، فلولا شخص الرسول كقائد لها، ولولا أنها فعل صحابة رضي الله عنهم، ولولا هذه الأيات الواصفة لها لما وقف الكثير ممن فتنتهم حروب العالم من المسلمين ووقف التعظيم لها، وسبب ذلك أن هؤلاء لا يقرؤون التاريخ من كتاب التاريخ الحقيقي لحركة الإنسانية وهو القرآن الكريم فهذا الكتاب الذي قال الله تعالى {لقد أنزلنا إليكم كتابًا فيه ذكركم أفلا تعقلون} ، وقال {بل آتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون} أي أن فيه سير الإنسان وتاريخه الحقيقي، لأن هؤلاء تشغلهم عوامل أخرى غير الإسمان في حياة البشر وبقاء الأمم وهلاك الشعوب، والقرآن يعلق حركة حياة الأمم صعودًا وهبوطًا على عامل واحد وهو الإيمان؛ الإيمان بمفهومه الشرعي لا بمفاهيمه الغنوصية الباطلة، فهذه البشرية الهائلة التي جاءت على هذه الأرض، وهذا الإنسان الذي عاش ومات فأبقى وورث ما الذي بقي منه ليذكره القرآن؟

إن خط النبوة في مسيرة البشرية هو كعرق الذهب في سلسلة الجبال، خيط دقيق يتواصل مخفيًا لكنه ثمين وعزيز، وغيره إنما هو الحجارة والركام، هذا الخط الذي يشير إليه القرآن ويرشد أتباعه إليه، لأنه ومن أجله فقط أقام الله هذا الوجود، ومن أجله فقط قامت سوق الجنة والنار، ومن أجله فقط تنزل ملائكة التأييد والنصر والعذاب، ومن أجله فقط تستقر هذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت