فهرس الكتاب

الصفحة 29 من 553

كان عدوه ضعيفًا أو قليلًا، فإن الكثرة مقابل القلة عامل واحد من عوامل النصر، وقد يغطى هذا العامل بعوامل أخرى مقابلة كالشجاعة والخدعة ونوع الآلة المستخدمة، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم:-"ألا إن القوة الرمي"تنبيهًا لأهمية هذا العامل في تحقيق القدرة التي يقع بها الفعل وهو النصر، فهؤلاء السفهاء أطاعوا شياطينهم وتحققت فيهم عوامل الهزيمة المذكورة في هذه الآيات وهي:-

عدم شرعية الحرب"خرجوا من ديارهم بطرًا ورءاء الناس ويصدون عن سبيل الله"، فالحروب إن لم يكن لها شرعية فإنها وإن قامت فلا تدوم.

الغفلة والغرور المؤديان إلى سوء الإدارة والتخطيط والتنظيم"وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم"وقوله تعالى"أعمالهم"معناه قوتهم وعددهم.

فالحرب إن حصل فيها أحد هذين العنصرين لإحدى الطائفتين فهي الهزيمة المحققة عاجلًا أو آجلًا وقد حصل هذان لقريش في هذه الغزوة، ولكن ههنا وقفة مع الشيطان وجنده، مما يستدعي الإنتباه أن الشيطان خدع جنده ومكر بهم خبثًا أوردهم الهلكة، وهذا عجيب، إذ أن الشيطان له تاريخ مع البشرية، وله تجربة مع النبوة ورجالها وأتباعها، ولو شاء المرء لقال:- على الشيطان أن يدير المعركة لتحقق النصر لأتباعه حتى يقع له إمكانية تنفيذ خطط في البشر، إغواءً وإضلالًا وإفساداَ، فما له هنا زين لهم حتى إذا حق الأمر تخلى عنهم وفر من تعهده بالجوار والحماية؟!

وقبل الإجابة على السؤال نقول: ليس العجب من الشيطان ولكن العجب من الإنسان ونسيانه، وعم اعتباره وقلة تفكره، فالبشرية في خط وجودها لم يحصل لها أي تراكم معرفي في قضايا الإجتماع، ولم يتطور إدراكها قط حول مسائل صلاح الوجود وفساده الأخلاقي والديني والاجتماعي، بل كل أمة تأتي تلعن سابقتها، وتلغي تجربتها وتزعم أنها هي التي أصابت الحقيقة، وانتهى التاريخ البشري فيها، فوجودها فقط (الذي يسمونه حضارة) هو المعصوم من الزوال والذهاب والهلكة، فما أن ينتهي الجيل حتى يدب الوهن وتسري الشيخوخة وتتداعى أركان"حضارتهم"، ويجري الشيطان بعيدًا عنهم صارخًا"إني بريء منكم"، والنداء القرآني يسري بينهم هاديًا ومرشدًا ودليلًا"يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة"، ومع ذلك تتعاقب دورات الإنسان حلقًا لَولبية في نفس الأفق وترتكز على نفس المحور دون اعتبار أو ادّكار.

حقًا خلق الإنسان ضعيفًا.

إن وعي الشيطان على ضعف الإنسان في مداركه، وقلة صبره على أهوائه وشهواته، ونسيان الماضي والآتي واستغراقه في اللحظة المشهودة هو الذي يجعل اغوار الشيطان وتزيينه ووسوسته وفتنته تسري في نفس الطريق دون تغيير في أجيال البشرية."لقد غوى آدم فغوت أمته".

إن البشرية هي هي لم تتغير، والإنسان بمجموعه هو الإنسان بمفرده، والإعتبار من التاريخ لا يقع إلا للقلة القليلة من البشر، والوعي على سنن التاريخ يقع للأقل من هؤلاء القلة، فانظر ماذا قال الذين يخافون ربهم حين حضر القتال بين طالوت وجالوت:-"كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين"وهذا ما قالوه للمؤمنين الذين نجوا من فتنة الشرب الكثير من النهر، وانظر ماذا قال أهل العلم للمؤمنين الذين نصحوا قارون في غروره بالمال"إذ قال له قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض إن الله لا يحب المفسدين"فهذه الموعظة الشرعية قالها"قومه"، لكن الذين صمدوا أمام الفتنة هم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت