فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 553

بسم الله الرحمن الرحيم

وبه نستعين

السير والمغازي في القرآن الكريم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمدٍ الأمين وعلى آله الطيّبين وعلى أصحابه أجمعين وبعد،

فإن القرآن الكريم هو المصدر الأول لسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وغزواته، فهو يوثق الغزوات الكبرى ويفصِّل الكثير من قضاياها الجغرافية والتنظيمية وكذلك النفسية، ويكشف بواطن الحركة الإنسانية في الأطراف المتعددة؛ المشاركة والمراقبة والمتخاذلة، ويعالج ويصوِّب وينمي ويمدح ويذم، وهو يحكم ويشرع ويقضي على ما يحصل من تنازع وخلاف بين أصحاب القضية الواحدة، ولذلك فأبعاد ما يقصه القرآن من سير تتجاوز كل رواية أخرى لهذه السير، فهو يقف على ما لم يقف عليه غيره، وينبه بالقَطع على ما يتوقف فيه غيره، وهو يهدي ويرشد حين تكون روايات غيره مجرد حكاية وقصة فقط، وهو يعالج أسباب الحدث ويستطلعه من بداياته كما يسير بعده إلى آثاره ونتائجه دون توقف أمام ولادته فحسب، كما أن سر هذه القصة أنها تسير في سياقات ما قبلها وما بعدها فتجعل القصة جزءً من حياة متعددة الجوانب، فتكون الغزوة جزءً منها، فللمجاهد زوجة تعالج قضاياهما (الزوج والزوجة) في سياق حركة الحياة التي فيها غزوة وغزوات.

أمام هذه الخصوصية الفريدة للسير والغزوات النبوية في القرآن الكريم نجد أن الكتابة في السيرة قد استخدمت هذه الأصالة القرآنية فرعًا للرواية الأخرى التي جاءت عن طريق الرواة، وهم ثقات ولا شك، لكنها رواية فرعية أمام القصة القرآنية، وقد يكون سبب ذلك أن اهتمام الباحثين منصبٌ على الخبر أكثر من غيره، وهذا يدفعهم لجمع تفاصيل هذه الأخبار، والقرآن الكريم يهتم بالعنصر الأهم للحدث وهو الإنسان؛ قدرته ونفسيته ومقدار ثقته، وكيفية تلقيه للحدث، فأضواء القرآن تتجه إلى داخل الإنسان؛ المقاتل وغيره، وروايات الإنسان عن غيره تصور ظاهر الحدث وجسمه، وحين يذهب إلى الإنسان وداخله يذهب إليها مستنتجًا لا راويًا، والقرآن يذهب إليها قاصًا وكاشفًا، وشتان ما بينهما، فالقرآن كتاب الله وكلامه وهو كذلك كتاب الإنسان لأنه مقصوده، فهو خطاب الله إليه، يكشف له ما خفي عنه من داخله ومن داخل غيره، فيقدم له الكلمة الجامعة لما تشتت في مجموع الإنسان من عقل ونفس وبدن ومحيط خارجي، فبهذا كان القص القرآني للسِّير والغزوات النبوية فيه الإحاطة لهذا كله، والمقصد هو تحقق العبرة التي بها يتم صناعة العبد {وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} .

صبغة الله روح تسري في الإنسان، فردًا، وجماعة، وفي التاريخ لا باعتبارها خبرًا يروى للذاكرة ولكن باعتبارها مصنعًا للأجيال، ومرآة للإنسان ليرى نفسه في كل أحواله مع أي عدوة هو، وليبصر واقعه وواقع غيره، فالإنسان هو الإنسان {لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ} والسنن تجري لا تبديل لها ولا تغيير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت