فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 553

السيرة النبوية بصبغتها الإلهية لها خصوصية وواقع الأسلوب والمحتوى كما لها شرف المقصد والمنتهى، وهذه الصبغة هي الأصل في هذا الكتاب الذي أكتبه، فلا يوثق كتابي هذا خبرًا من أخبار السيرة النبوية، فلهذا المقصد يوجد كتب كثيرة وعديدة، كما أنه لا يفسر هذه الصبغة من خلال الروايات الحديثية الأخرى، فهذا ليس بالأمر الجديد الذي أًنشط له، لكني أسير إلى الإنسان، إلى الأنا والآخر، من خلال هذه الصبغة، ليعرف كل طرف شبيهه، ويحكم المرء على نفسه بنفسه، فالمرء يقول ولا يدري حكم ما يقول، فيكفر دون إرادة الكفر، ويعصي دون إرادة المعصية، ويرد حكم الله دون أن يعرف أنّ سبب هذا هو النفاق الذي تسلل إليه دون أن يعرف {ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون} . كما أن هناك من هو بحاجة للتثبيت حين يرى قدوته رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، فهو يفعل فعلهم ويلقى في حياته ما لاقوه، وسمع من الناس-قريبين وبعيدين- ما سمعوه، فيحيى من حيّ عن بينة، وتحصل الشهادة التي أخذها الله على أتباع الأنبياء.

العودة إلى الصبغة الإلهية في قصها للسِّير النبوية ضرورة في عصرنا هذا، لأن السيرة النبوية في الكتابات المعاصرة صارت تابعة للأهواء، ومتكأً للآراء المتضاربة، كل طرف يرجم خصمه برواية تشتهيها نفسه، وينتقيها دون غيرها، دون إعمال القواعد العلمية سواء كانت هذه القواعد تختص بالرواية أو الدراية، مع أنهم في اجتهاداتهم هذه قد يقولون ما قال خصوم الحق كما ورد في صبغة الله، وهذه الصبغة لها خصوصية الكشف الصريح فلا عجب أن تسمى سورة تتعلق بهذا الباب باسم الكاشفة، كثر فيها قوله تعالى {ومنهم} تحكي قولهم وفعلهم، وتكشف خبايا نفوسهم، فما أبعد من كان هذا صفته أن يتكئ عليه المتخاصمون المتشاكسون، إذ كثر اليوم ما يقال له بفقه السيرة النبوية، أو ما يسميه أصحابه بالوقفات التربوية في السيرة النبوية، وما أشبهها، وهو نوع شرعي صحيح من التأليف في هذا الباب، ولكن الخطأ فيه تلك الاسقاطات الفكرية والذاتية على السيرة، فتصبح تابعة لا هادية، ومستأجرة لا أصلية، بل ذهب البعض إلى صياغة السيرة في أسلوبها ومصطلحاتها من خلال مصطلحات جماعته وحزبه وأفكاره، فالصحابة رضي الله عنهم في صياغته هم الكتلة السياسية، أو الكتلة الصلبة، وهذا خطأ في الرواية، ولكن لا بأس به في التفسير والشرح والفرق بينهما واضح، هذه الأمور وأمثالها تفقد السيرة مهمتها في جميع المختلفين وتبصيرهم، والسيرة ولا شك هي شرع يحصل به الهداية لا التنازع.

اختيار السير والغزوات النبوية لكشف الإنسان-الأنا والآخر- ليس لمتعة التأليف ولكنه اختيار له مقصده، فالجهاد ذروة سنام الإسلام، فهو القمة التي تكشف أدق الخفايا وبواطنها في هذا الإنسان، هي لحظة الإختبار، ونقطة الإبتلاء العليا، فالصلاة وإن كانت أعظم في الشرع من الجهاد، لكن محنة إعتلاء القمة ثم الثبات عليها ليست كغيرها في عالم الوجود، ولذلك ليس هناك في القرآن الكريم أكثر عرضًا من قضية"المسلمين"مع الجهاد، وتفاعل المجتمع المسلم معه، بكل طوائفه وحرابته، فالقصة القرآنية للسير والمغازي حديث عن الداخل، وهو ما تحتاجه في عصرنا هذا، ثم إن اختيار هذا الباب لأن الجهاد وغزواته وأهله المعاصرين اليوم يتعرضون لأشد الهجمات، ويقذفون بأشد التهم، ويقال فيهم من داخل المسلمين أشد مما يقال فيهم من غيرهم، فهل هناك أعظم من دفاع الله عنهم؟ وهل هناك أهدى من كتاب الله في كشف كل المواقع

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت