فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 553

والنفوس؟ ثم إن هذا هو التطبيق العلمي لقضية آمنت بها وهي: القرآن أولًا، وهي إحدى مسائل العلم التي رددت فيها على ابن حزم رحمه الله ومن تبعه حين جعلوا السنة في مرتبة القرآن، واستخدموا هذه الحجة في رد حديث معاذ بن جبل حين أرسله إلى اليمن فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم: بم تقضي؟ فقال: بكتاب الله، فسأله: فإن لم تجد؟ فقال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. والرد على هؤلاء في هذه المسألة الأصولية والتربوية لا في صحة حديث معاذ بن جبل رواية وسندًا، وهو بحث ضمن بحوث كتبتها قديمًا وأسميتها-الحوار مع الكبار- ضاعت فيما ضاع من ورقات أتلفها خصوم هذا الدين ودعوته.

فالقرآن الكريم هو الأول مصدرًا للفقه، وهو الأول مربيًا للمسلم الصحابي الذي ننشده ونسعى لتحصيله في هذا الزمان وكل زمان، وفيه الهداية لأنه يقضي بين المتخاذلين والمختلفين وهو ما نحتاجه اليوم مع كثرة الخلاف والدعاوى والإتهامات المتبادلة بين الفرقاء في الصف المسلم نفسه.

فهذه الورقات مقاربة ينشد منها صاحبها أن يهتدي بالقرآن ويهدي به، ويتعلم منه ويسترشد به، فالكتابة طريقة راقية للتعلم قبل التعليم، وللإسترشاد قبل الإرشاد، وهي كذلك محاولة للإبانة عن نفسي عما رأيت في كتاب الله من أجوبة عما يدور اليوم حول واقع المسلمين وموقفهم من ذروة سنام الإسلام، إذ هو أكثر ما اختلف الناس حوله اليوم، وهو أكثر ما قذف اليوم من المعممين والمفكرين وأصحاب القلم، وأغلب ما قالوه هو صد عن سبيل الله، وفيه المشابهة الجلية لكلام قيل من قبل زمن النبوة صدر عن المنافقين-والعياذ بالله-، والحال هو الحال، قاله الأوائل وهم لا يشعرون، وقاله المتأخرون وهم لا يشعرون، فلعل هذه الورقات تهدي من أخلص في طلب الهداية، وأراد النصح لنفسه وأمته.

لقد آمنت-بهدي القرآن- أن الجهاد حالة علمية ونفسية، كل منهما يمد الآخر ضعفًا وقوة، وأن الإختلاف اليوم أكثره مبني على الإنهيار النفسي الذي يعيشه المفتون وأصحاب الأقلام ومدّعو الفكر والنظر، وسبب هذا بعدهم الكبير عن كتاب الله تعالى، مع أن الدعوة والشعار في كل الطوائف هو إحياء الكتاب والسنة، لكنها شعارات لم ترق إلى فهم الكتاب إلا من خلال الاستخدام لنصوصه لخدمة النفس والذات لا غير، والإكثار من نقل النصوص لعلماء سابقين اهتموا بإبراز المعنى في تفسيرهم لكتاب الله تعالى، ولكن لم يكتب التفسير في زمانهم من أجل حل قضايا الإنسان ومشاكله، لأنهم يعلمون وهم الفقهاء أن هذا عمل الإنسان نفسه مع القرآن، فهل عمل كل قارئ وكل ناظر في كتاب الله سبحانه وتعالى، إذ يقوم القرآن نفسه في صوغ النفوس وتربيتها وهدايتها، واليوم وقد نشأت عوائق كثيرة عن إعمال هذا الفعل الذاتي للقارئ كان لا بدّ من عمل يساعد المسلم في تحقيق هذه النتيجة، فتكون هذه الأعمال العلمية كاشفة لمواطن الحلول لمشكلاته وقضاياه، لا الفقهية فقط، لكن النفسية والفكرية والإجتماعية، وهذه مهمة عظيمة ولها ضوابط شديدة، وتحتاج إلى قدرات، قدرات بها تستطيع الإستنباط من العمق، وقدرات تستطيع إيصال كبرى القضايا وأشقها لأوسع نطاق من المسلمين علماء وعامة، ولمشقة هذه المهمة فإن هذا الأمر لم يعد له وجود في مساجد المسلمين ومجالس علومهم، إذ قد تسمع الكثير عن حلقات العلم التي تدور حول الفقه وأبوابه العلمية المعروفة، أو تجد نزاعًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت