فهرس الكتاب

الصفحة 36 من 553

الأرض يومذاك ولا على كل تاريخ التدافع بين الإيمان والكفر، وكذلك حين تجري حادثة إيمانية لمعركة بين فئة مؤمنة وأخرى كافرة فينتصر فيها المؤمنون يجب علينا كذلك أن لا نتصور أن هذه المعركة هي صورة الأرض كلها و صفة تاريخ التدافع بين الإيمان والكفر ولا هي نهاية لتاريخ هاتين الفئتين، وبهذا الوعي على الواقع تصبح الآيات القرآنية عبرة لكل وقائع التدافع بين الإيمان والكفر، فقوله تعالى"هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رؤوسهم الحميم يصهر به ما في بطونهم والجلود ولهم مقامع من حديد كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق"تصبح عبرة في كل الظروف وكل موقعة وكل حادثة حصلت فيها الخصومة بين المؤمن والكافر سواء كان هذا الظرف فيه غلبة للمؤمن أو علو للكافرين والأمر كذلك ههنا في هذه الآية:"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد"فالذين يتصورون أن هزيمة الكفر تعني انتهاء سنة التدافع، وأن غلبته تعني زواله وزوال لظاهرة علوه ومحنة المؤمنين هم واهمون حالمون، وفيهم جهلاء كثيرون، جهل في التاريخ وجهل في فهم كتاب الله تعالى، ومصير هؤلاء ينتهي إلى اليأس من التغيير والإستسلام لمطالب الكافرين أو الانسحاب من ساحات الجهاد رجاء الطفرات التاريخية القادمة والتي لا وجود لها قط.

"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد"

بدر ليست حادثًا ماضيًا، بل هي حاضرة في كل موقعة بين المؤمنين والكافرين، والذين يطلبون من المؤمنين أن ينتهوا عن توظيف تاريخ الأنبياء والقرآن في صراعهم مع الكفر هم أعداء القرآن وخصوم سنة الله الماضية فيهم، لأنهم جهلة، والكافرون في علوهم مغلوبين، والمؤمنون في محنتهم منصورون، وفي كل حلقة صراع بين هاتين الطائفتين ستكون هزيمة الكافرين وغلبتهم مهما طالت هذه الحلقة حتى لو كانت خمسمائة سنة، فالحروب الصليبية طالت أكثر من مائة سنة والمؤمنون في محنة كان أشدها بدايتها حين خاضت خيول النصارى في دماء المسلمين في بيت المقدس، وقامت سوق التدافع بين طائفة الإيمان والكفر بلا خليفة يرعاها، ولا صراع بين هاتين الطائفتين ستكون هزيمة الإمام جامع يعلن الجهاد والنفير العام إنما من خلال جزر وطوائف وقلاع ومشيخات ايمانية، وراية تذهب تورث أختها، وقلعة تقوم ثم تزول ليأخذ ورثتها آخرون، وخيانات وتحولات ردة في أبناء مجاهدين ينقلبون على أعقابهم وهم يتحالفون مع النصارى الصليبيين، وممالك ضالة تنوس بين الفريقين بحسب مصالحها الدنيوية، كل هذا وأكثر منه في داخل الصف الاسلامي، ويقابله موجات كفر تأتي فبعضها يستقر وبعضها يتلاشى، وبعضها يصارع آخرين منهم، بمصالح تجمع ومصالح تفرق، وبين طائفة الايمان والكفر صراع ممتد بمعارك أخرى وصغرى ومناوشات جزئية، فتسقط قلاع صليبية ثم تباد قرى اسلامية ومدن اسلامية تسقط في أوج الإنتصار في معركة كبرى سقطت كما شأن سقوط مدينة عكا بيد الصليبيين بعد حطين، وهكذا تسير حياة وسنة التدافع لا يوقفها مراجعات ضالة ولا خيالات حالمين بوجوب التوقف حتى نربي الأمة في صوامع معزولة عن حياة الصراع والقتال، ثم كانت العاقبة للمتقين، فما كادت هذه الموجة أن تتم حتى جاء التتار ومضت الحياة في سنتها تتهاوى على هذا الوقع بلا تخلف، وتحقق في ذلك كله قوله تعالى"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت