فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 553

أن نسبتها للكافرين المعاصرين لها منذ بعثة النبي صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة نسبة يسيرة، بل إن مجموع عددها مقابل يأجوج ومأجوج نسبة واحد بالمئة كما في الصحيح.

إذًا يجب التفريق علميًا بين الكثرة والغلبة، ثم يجب فهم الغلبة قرآنيًا حتى يتم إدراك معنى هذه الآية"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد"وقوله تعالى"إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد"وقوله تعالى"وكان حقًا علينا نصر المؤنين"فهذه الآيات وأمثالها ليست انهاءً لمفهوم الإيمانية، وليست الغاءًا لمفهوم علو الكافرين وكثرتهم، لأنها يجب أن تفهم من خلال دوام التدافع في الأرض بين الإنسان والإنسان، وبين الإيمان والكفر.

التاريخ لا يحط رحاله أبدًا إلى يوم القيامة، ولا يعطي أمانًا لأحد، فليس علو الكافرين في فترة زمانية ما ومهما طالت لا عاقبة له، ولا مفهوم الغلبة الإيمانية يعني قط الغاء هذا العلو وإزالته، إذ ليس نصر طائفة ما هو الغاء للأخرى.

لقد انتصر الجيل الأول على الروم وبقيت الروم تسيطر على أصل سلطانها وقاعدة حكمها، ثم بقي فيها عامل الانطلاق والغزو والحضور، ولم يتوقف نمو قرونها وتجددها إلى يومنا هذا، ثم قد ضرب الله الذلة على اليهود إلى يوم القيامة كما قال تعالى في سورة الأعراف"وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم"، ومع هذا فسيكون لهم علوان كما قال سبحانه وتعالى في سورة الإسراء.

وفي سورة الصف كان الحكم القدري أن أتباع عيسى عليه السلام هم الغالبون على أعدائهم كما قال"يا أيها الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى بن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله، قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين"ولا يعلم في تاريخ النصرانية قط أن الموحدين منهم كانت لهم على بني اسرائيل أو على المشركين من النصارى، ولما جاء الاسلام دخل الموحدون الباقون على دين عيسى في الاسلام وحصل بهذا النصر والغلبة على اليهود وعلى المشركين من النصارى وهذا ما فسره العالمون بكتاب الله، فقد قالوا إن قوله تعالى"فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين"أنهم أتباع محمد صلى الله عليه وسلم، اذ هم أتباع عيسى كذلك، ولذلك فقد مضت خمسمائة سنة منذ مبعث عيسى عليه السلام إلى مبعث محمد عليه الصلاة والسلام والموحدون من أتباع المسيح لا سلطان لهم في الأرض، وقسطنطين الروماني الذي تنصّر وأدخل النصرانية في الحكم لأنه كان قيصرًا إنما تنصر مشركًا لا موحدًا، وقمع وعذب الموحدين أتباع آريوس حتى اضطروا إلى الاختفاء والإنزواء في الجبال وهو سبب منشأ الرهبانية، إذًا قد مضت سنون طويلة لا ظهور للموحدين وأتباع الأنبياء.

ولذلك فهذه الآيات الربانية يجب وصفها في سياق التدافع، وهذا التدافع له صوره المتعددة، والتي إن حصلت بين المؤمنين والكافرين فإن نهاية كل حلقة من حلقات هذا التدافع هو نصرة المؤمنين. لكنه نصر لا يلغي الكثرة للكافرين ولا لإمكانية علوهم مرة أخرى لتدوم محنة المؤمنين والتدافع.

يجب الغاء الأوهام والصور الخيالية، اذ الكثير فيها مبني على تعميم الحوادث على التاريخ والجغرافيا، فحين تروي قصة مبارزة بين مؤمن شجاع قوي وبين كافر شجاع قوي فينتصر المؤمن في المبارزة يجب أن لا نعمم هذه الصورة على كل

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت