فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 553

ملحق واستثمار (بنو قينقاع)

قال تعالى"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد، قد كان لكم آية في فئتين التقتا، فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار" (آل عمران 3،12)

هاتان آيتان تذكّران الكافرين بما وقع للمشركين في بدر، أنزلتا في بني قينقاع حين ردّوا دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم قائلًا:- يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشًا، فقالوا: يا محمد لا يغرنك من نفسك أنك قتلت نفرًا من قريش، كانوا أغمارًا لا يعرفون القتال، إنك لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وانك لم تلق مثلنا فأنزل الله هاتين الآيتين.

"قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد"

هذه سنة جارية في الكافرين، وهي سمة تاريخية لا يصيرون فيها إلى غلبته على المؤمنين، بل هم سيغلبون وقد غلبوا دومًا، وما إرتفاعهم حينًا من الدهر إلا إغراءً إلهيًا لهم، حتى إذا تم الأخذ كان أليمًا شديدًا.

التاريخ الإنساني فيه ظاهرة علو الكفر"قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل كان أكثرهم مشركين"، والعلو في القرآن دومًا مقرون بالفساد كما في قوله تعالى"إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيى نساءهم إنه كان من المفسدين"وقال تعالى"تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين"وقال تعالى"ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قومًا عالين"وقال سبحانه"وقضينا إلى بني اسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوًا كبيرًا"، وعلو الكفر كان يقارنه محنة المؤمنين، أي ابتلائهم بهذا العلو ومقارعته، وفي سورة يونس دليل على أن السياق البشري يتوجه دومًا في مجموعه نحو الكفر لقوله تعالى"وما كان الناس إلا أمة واحدة فاختلفوا ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم فيما فيه يختلفون"، يقول ابن عباس:- كان بين آدم ونوح عشرة قرون كلهم على الإسلام ثم وقع الإختلاف بين الناس وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان، هي نزعة جماهيرية عامة تضاد أصل الفطرة الإنسانية يوجودها الأول كما في كلام ابن عباس وبأفراد هذا الوجود لقوله صلى الله عليه وسلم: (( كلّ مولود يولد على الفطرة ) )، ولذلك كان يأتي الأنبياء لأممهم، ولا يعلم أن أمة كاملة اتبعت نبيًا من الأنبياء إلا ما قاله الله عن قوم يونس بعد نجاته من بطن الحوت كما قال تعالى:"فنبذناه بالعراء وهو سقيم وأنبتنا عليه شجرة من يقطين، وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون فآمنوا فمتعناهم إلى حين"، وهذا هو تفسير قوله تعالى فيهم"فلولا كانت قريةآمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين".

ثم تتابع الأنبياء على هذا النّسق مع الأمم عامة، وكانت الخاتمة برسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث أن أمته هي أعظم الأمم المؤمنة كثرة، وأقرب الأمم إليها في العدد هي أمة موسى عليه السلام كما في الحديث الصحيح، ومع هذه الكثرة إلا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت