فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 553

وهما خاضعان للحكمة والعدل لا يتخلف معين منهما عنهما، وما عرف الناس أن الأمر من عند الله إلا بعد أن رأوه حقًا، وكونه حقًا يعني أنه يتطابق مع فطرة الخلق التي يحسونها بداهة في نفوسهم، ولا يستطيعون لها ردًا ولا جدالًا.

إن بدر القرآن هي للإعتبار والإدِّكار والإتعاظ والتأسيس، لا ليكتب عنها الناس فاصلين بين التقوى كفعل يسبقها يحضّر المقاتلون أنفسهم لها كما يزعم أصحاب دعوى التربية الطفولية، فإن بدر لا تسعفهم بذلك أبدًا، بل هي على الضد من ذلك، فإن الصحابة خرجوا طلبًا للعير، ولو يكونوا يرون أنفسهم أبدًا على استعداد لهذه الحرب بل جادلوا بها، ثم تساءلوا حول الغنيمة، لأنهم الإنسان مع تقواه، لا مع التقوى في عالم المثل والخيال حيث يسبح الحالمون بعيدًا عن الواقع والحقيقة.

إن الذين يقولون إن عصر مكة هو عصر التربية وعصر المدينة هو عصر الجهاد يرد عليهم أن الأنصار في هذه الغزوة كانوا أكثر من ثلثي الجيش، وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: امضِ لما أمرك الله، وقالوا: لن نقول لك كما قال بنو إسرائيل لموسى: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون، بل نقول: اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فكانت بدر الكبرى صنيعة الله تعالى بهذه المادة التي اتقت ربها حين القتال.

إن بدر القرآن هي بدر الملائكة الذين ينزلون حيث وجد من البشر وعاؤهم الذي يعمل عمله، حيث يصبر المجاهد ويصابر، ويقتل ويقاتل، ويثبت ولا يفشل، وليست خيالًا وحلمًا لفعل ملائكة لا دور للمؤمن فيها إلا أن ينتظر هبوب الريح على الكافرين وترميهم بالبحر.

إن بدر القرآن هي خصومة في الله، استحل المؤمنون أموال الكافرين لكفرهم وصدهم عن سبيل الله، فكانت الأنفال رزقًا كريمًا ليس هناك أكرم منه مالًا.

إن بدر القرآن طعنت كبرياء الكافرين في خاصرتهم وهذه كافية لأن تكون منهجًا يحتذى بأن كل إيلام لهم هو بدر على معنى من المعاني لأنه يقطع منهم طرفًا ويرد كيدهم خائبين.

إن بدر القرآن لا تعني أن لا يكون بعدها"أحدًا"يتألم المسلمون فيها ويصيبهم القرح، ويبكي المسلمون أحبابهم وشهداءهم، لأن بدر القرآن هي باعث"أحد"عند المشركين، وهي رد على المنافقين ومرضى النفوس الذين لا يريدون عزة المؤمنين ولا إيذاء الكافرين مخافة الثأر والإنتقام فإن هؤلاء هم القائلون: غرّ هؤلاء دينهم.

إن بدر القرآن تفسر معنى نزول الملائكة، وأن نزولهم لا يلغي حركة الأرض وسننها، فحيث كان النصر تكون الملائكة، يؤمن بذلك أبو بكر وعمر والمؤمنون ويكفر بذلك من يقول: غرّ هؤلاء دينهم.

إن بدر القرآن لا تلغي النفاق ولا تقطع الألسنة الحداد الشحيحة على الخير والمؤمنين، بل مع أنها نصر وتأييد لكن سيبرز النفاق قرنه وسيبقى على غيه {وإن يروا كسفًا من السماء ساقطًا يقولوا سحاب مركوم} {ثم بدلنا مكان السيئة الحسنة حتى عفوا وقالوا قد مسّ آباءنا الضراء والسراء فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرون} فهكذا هم يجرون كل ما يرونه على العادة والطبيعة وعلى قطع عالم الغيب عن عالم الشهادة، وأنه لا دور للإيمان في الحياة وجريانها، ولا لغضب الله ولا لرضاه في أحوال اناس وظروفهم من نصر وهزيمة وغيرهما.

حين نفهم هذا فهل لنا أن نسأل أعداء الجهاد والقتال في سبيل الله في يومنا هذا إلى خروج الدجال: بالله عليكم هل ترون بدرًا هذه الأيام أم أن بدرًا قد مضت وحالت إلى رُقم التاريخ ومتاحفه؟!

هذا هو جوهر القضية مفصل البيان بين المنهجين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت