والجهاد في سبيل الله تعالى، أي إن بصيرتكم وفقهكم في سنة الله في تعامله مع دينه وأهله مقابل أعدائه وأعدائكم إن حضرت الصفوف يوجب عليكم عدم الفشل (وهو التخلف والنكوص) ، فالشكر -وهو عمل كما قال تعالى: (( اعملوا آل داود شكرًا ) )- يقابل الفشل في هذه الآيات وهو بين.
وأما شأن العدد فالله يتكفل به فهو (( يمددكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين ) )ومناسبة ذكر هذا التفصيل بذكر هذا العدد ثم ما أعقبه بقوله (( يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) )أن الله تعالى أنزل ملائكته يوم أحد، وقد ذكر لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم -رؤيته لجبريل عليه السلام وهو آخذ بعنان فرسه بين الغمام يوم أحد- ولكن قيد الله نزول هذا المدد الأخر (( مسومين ) )بقوله (( بلى إن تصبروا وتتقوا ) )وهذا لم يقع منهم رضي الله عنهم يوم أحد بل قال سبحانه (( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون ) )فكان هذا تعليمًا وتفقيهًا لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ولأمته من بعده سنة الله تعالى في إنزال الملائكة وبقائهم وحصول الإمداد بهم، وهو جواب لمن سأل عن الفارق بين بدر وأحد، ورد عمن شكك برؤية رسول الله صلى الله عليه وسلم للملائكة يوم أحد، وهذا يبين ما تقدم بأن الأمر لا ينزل من السماء إلا إذا وجدت مادته من الأرض واستعداد أهله له.
وأما التقوى ههنا في قوله:"إن تصبروا وتتقوا"فهو يقابل ما سيأتي بعد ذلك من قوله (( حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم ) )ولله الأمر من قبل ومن بعد.
وههنا في سورة آل عمران قال سبحانه (( ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين ) )وقد تقدم أن الله قال في سورة الأنفال وهي السابقة في النزول (( ويريد الله أن يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين ) ). والفارق بينهما أن بدر باعتبارها أساسًا لما بعدها من تاريخ الإسلام هي لقطع دابر الكافرين، وهي باعتبارها حدثًا واحدًا فقد تحقق فيها قطع طرف من أطراف الكافرين، وثم إنجاء المؤمنين من الهلكة فرد الله كيدهم وخابت مساعيهم ومرادهم.
وسبب هذا التفريق أن ذكر بدر في سورة عمران هي مقابلة غزوة أحد حيث أصاب الكافرون من المسلمين مرادهم من الثأر لبدر فلم ينقلبوا خائبين، وأصابوا بعض المؤمنين، فكان هذا الذي تقدم، فبدر كما في الأنفال هي لذكر النعمة مجردة وبدر في سورة آل عمران هي لذكر النعمة مقابل المصيبة.
ومما يستفاد من هذا كذلك أن ذكر بدر كمقدمة لما وقع من الألم والأذى في أحد بعد ذكر العبرة أن في ذلك تقوية للمؤمنين وتثبيتًا لهم أن أحد مجرد إنحراف يسير عن الجادة ولا تعني أبدًا النكوص أو التخلي عنها، ولا تدفع الجند أبدًا من عدم مواصلة الطريق، بل بدر هي طريقكم وهي منهجكم وهي سبيلكم، وما يحصل من الأذى والألم والمصيبة إنما هو أمر عارض له أسبابه وسيأتي تفصيله في موضعه إن شاء الله تعالى.
هذه هي بدر القرآن، وهي بدر التاريخ، وبدر الإنسان، وبدر الحدث، وبدر النتائج.
إن بدر ليست حدثًا سماويًا لا علاقة له بسنن الأرض، ولا فعلًا إلهيًا بلا سبب موجب له من الإنسان المؤمن والكافر، ولا آية قرآنية شرعية فقط دون أن تكون في وقوعها كلمة كونية لا تتخلف إن وجد سبيلها ومنعت موانعها.
هذه قراءة القرآن لهذا الحدث، وهي وصف لعالم الغيب وحركته، ووصف لعالم الشهادة ومؤثرات الفعل فيهما، لكن بقيت قراءة هي القراءة الأرضية البحتة لها باعتبارها حدثًا إنسانيًا خاضعة لسنن الأرض التي يعرفها الناس من فن الحرب والقتال ليدرك الناس مدى تطابق حركة السماء مع حركة الأرض فإن ربي على صراط مستقيم، والله له الخلق والأمر،