فهرس الكتاب

الصفحة 31 من 553

في غزوة بدر كان المنافقون على هامش القضية كما هم في هامش الواقعة، فلم يحضر المنافقون، وما حضر المعركة إلا مؤمن، لكنهم هناك بقوا في المدينة يعيبون خروج النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم إلى عير قريش ومجابهة غضبها وسلطانها، وهذه الآية تبين نوعية الحوار الذي جرى بين المؤمنين وخصومهم في داخل الصف، إنه حوار يكشف نفسية الهزيمة التي تحيط بالمرضى والمنافقين، فإنهم لم يتصوروا قط أهمية عنصر الإيمان والثقة بالله واليقين عليه في تحقيق النصر، فالمؤمنون يقولون:- إن هذا الدين دينه، ونحن على ثقة بوعده ونصره، والمرضى يقولون:- ما للدين للمعارك وقضاياها؟! فالحرب لها سنن جارية بين الناس يغلب الناس فيها لإعتبارات مادية فقط، وأن ما تقولون هو الغرور، أو يكون الخطاب على صورة ثانية تحتملها الآية:- وهو قول المرضى والمنافقين إن هذا الدين الذي دعا اتباعه للقتال إنما أوقعهم في المهلكة، أي أن دينهم غرّهم حتى أهلكهم بسبب ما دعاهم إليه من القتال.

إن نتيجة المعركة آلمت هؤلاء القوم، إذ كشفت سوء تقديرهم، وفساد ثقتهم بالله ودينه فبدل أن يهتدوا زاد طغيانهم وتفجرت أمراض قلوبهم بالقيح والصديد، وهذا وجه ثالث تحمله الآية وهو أن قول المنافقين والمرضى إنما كانت عقب النّصر فقالوا:"غر هؤلاء دينهم"أي إن الصحابة نَسبَوا النصر لله، ووقع بسبب إيمانهم بدينه فأوقعهم هذا الظن في الغرور المفضي إلى هلكتهم لما سيقدمون عليه من حروب قادمة.

والمفسرون يقولون إن هذا القول من منافقين بقوا في مكة ولم يهاجروا، وحضروا اللقاء، فلما رأوا قلة المؤمنين قالوا مقالتهم تلك، والتاريخ يقول:- إنه لم يكن في مكة نفاق، ولم يذكر النفاق قط في الآيات المكية إلا ما ذكر في سورة العنكبوت (وهي مكية) من قوله تعالى"وليعلمن الله الذين آمنوا وليعلمن المنافقين"ولا شك أن هناك من آمن في مكة ثم فتن عن دينه لضعف إيمانه فلعل هؤلاء من قصدهم الله في قوله في سورة العنكبوت، أما أن يخرج منافقون إلى بدر مع المشركين، أي أنهم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فهذا ما لا يتصور، والله أعلم.

هذه غزوة بدر في سورة الأنفال، وقد ذكرت هذه الغزوة تذكيرًا بها في سورة آل عمران كمقدمة لما سيأتي من الحديث عن غزوة أحد، ومن سنن القرآن أن يمهد للأمور بما يناسبها وهذا كثير كما مهد في سورة البقرة أمر تحويل القبلة بذكر إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام وبنائهما البيت وكما مهد لأمر ولادة مريم عليها السلام عيسى عليه السلام بلا أب بما وقع لزوجة زكريا من ولادة يحيى عليه السلام بعد يأسها وكونها عاقرًا وبلوغها الشيخوخة كما في سورة آل عمران ومريم، فلما قال تعالى {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال والله سميع عليم، إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنين} إذ نزلت هاتين الآيتين في شأن أحد، قال سبحانه وتعالى عقبها: {ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة فاتقوا الله لعلكم تشكرون، إذ تقول للمؤمنين ألن يكفيكم أن يمدكم ربكم بثلاثة آلاف من الملائكة منزلين، بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فوركم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسوّمين، وما جعله الله إلا بشرى لكم ولتطمئن قلوبكم به وما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم، ليقطع طرفًا من الذين كفروا أو يكبتهم فينقلبوا خائبين} .

وهذا التذكير إنما هو للمؤمنين لأن الطائفتين هما من الأنصار بنو سلمة وبنو الحارث- وقال ربنا عنهما:- (( والله وليهما ) )فهذا مدح لهما، ذلك أنهما أرادوا الرجوع بعد الخروج عندما وقع التنازع فعصم الله"الطائفتين"فخرجا. وسبب التذكير كما هو ظاهر من الآيات أن التنازع كان بسبب رؤية البعض عدم المكافأة بين قريش وبين الصحابة فقال تعالى (( نصركم الله ببدر وأنتم أذلة ) )فمن رأى ذلك حق له أن لا ينازع في هذا الشأن، إذ الواجب هو البصيرة في أمر القتال الحاصل على أساس الإيمان وهذه البصيرة هي التقوى التي أمر الله بها هنا (( فاتقوا الله لعلكم تشكرون ) )وأما الشكر هنا فهو دوام النفير

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت