فهرس الكتاب
فقوله تعالى"قل للذين كفروا "هو اعلان لهم أنهم كفار، وأنهم سيهزمون لأنهم أعداء الله، وأنهم سيحشرون إلى جنهم وبئس المصير لأن هذا مصير كل من لم يؤمن بالله تعالى وبحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشرعية القتال تستمد من هذا الأمر، اذ لولا كلمة الله أي حكمه تعالى لما جاز للناس أن يقاتل بعضهم بعضًا، فلا التاريخ حجة ولا الألوان واللغات ولا القرابة والأنساب، اذ كل هذه عوارض بشرية وليست أصلية لتصلح لشرعية الحياة وأعمالها، وسنن الخلق تحكم بهذا فإننا لا نرى قط أمة من الأمم قامت دون أن تحطم هذه العوارض وتتجاوزها، فهذه اليوم أمريكا واستراليا وقبلهما الاتحاد السوفياتي بل كل تجمع يطلق عليه دولة أو أمة ما قام إلا بعد أن داس على هذه الشرعيات الكاذبة، ويكفي المؤمن فخرًا أن شرعيته تستمد من كلمة الله وأنه عبد له سبحانه وتعالى، وبسبب هذا نجد تميزًا فريدًا لتاريخ هذه الأمة وسيرورتها فإنها الأمة الوحيدة التي حملت في قتالها الدين حقيقة وحين دخل المهزومون في الإسلام صاروا هم الأئمة والقادة وبيضة الاسلام، وأما زاعموا الحضارة فإنهم ما دخلوا بلدًا إلا أهانوا أهله وقتلوهم وحين تركوا بلادهم كانت بلقعًا يبابًا.
هناك حجة واحدة لأعداء هذه القضية وهي أن الأديان سبب الحروب والصراعات في الوجود الإنساني، وهذا كذب فاجر على التاريخ، لأن الحروب هي سمة البشرية، لم تخل منها أمة ولم يخل منها عصر، وأشد الحروب قسوة ودمارًا وظلمًا وهلكة للحرث والنسل ما كانت على غير أساس الدين، وإنما مبعثها الكبر وحب الاستعلاء والافتخار بالأنساب والألوان، وحين يستخدم هؤلاء شعار الدين في بعض حروبهم إنما يستخدمونها كحذاء صالح لوصولهم لمبتغاهم لا كدافع أصيل لحركتهم وقتالهم.
إنه من الضعف والخذلان أن يخجل المؤمن من هذه الخصوصية، أي خصوصية الحق الذي يملكونه، وخصوصية الصلة بينهم وبين ربهم، وخصوصية أن قتالهم وسلمهم هو استجابة لأمر الله ومن أجل دين الله، وهي انهزامية أمام قصف الباطل وتشغيبه ودعايته.
"قد كان لكم آية في فئتين التقتا فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"
اذًا لم يكن انتصار المسلمين في بدر لما قاله اليهود، بل لأن الله ينصر من يشاء ويذل من يشاء، ولو عقل المشركون هذه السنة وهذه الآية الربانية المضطردة لانتهوا عن معاندة الحق ومحاربته، لكن أنى لهم ذلك، فلقد وقعت بدر، وكان المشركون أكثر عددًا، والمؤمنون يرونهم ويعلمون هذا، فثبت الله قلوبهم وألقى فيها الإطمئنان، وأمر ملائكته بهذا، وأنزل عليهم الغيث أمانًا واطمئنانًا، فحصل لهم كل مقدمات النصر، ولذلك فإن تخويفكم للمؤمنين أنكم أهل قتال وقوة ودربة لن ينفعكم في شيء، لأن الكثرة يوم بدر لم تفت من عضد المؤمنين.
أقول: هذا الذي يطمئن القلب إلى اختياره من وجهي التفسير الذي نقل عن أهل العلم، ذلك بأنهم اختلفوا من هي الطائفة التي ترى الأخرى ضعفيها رأي العين؛ فبعضهم قال:- إن الكافرين رأوا المؤمنين ضَعفيهم ليقذف الله في قلوبهم الرعب، وقال آخرون: بل إن المؤمنين رأوا الكافرين ضعفيهم (على وجه لغوي وجهه إمام المفسرين ابن جريرالطبري لأن عدد المشركين يوم بدر ثلاثة أضعاف المؤمنين) ، والذي اعتقد أنه أقرب لسبب النزول هذا الذي قلته.