فهرس الكتاب
وأما الجمع بين هذا وقوله تعالى"واذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلًا"فلإختلاف الحالين، لأن المسلمين علموا عدد المشركين من قبل كما قدرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأل عن عدد ما يأكلون من الابل، ثم لما حضرت المعركة حصل هذا التقليل تقوية للقلوب وتثبيتًا لها، والله أعلم.
في هذه الآية القرآنية تذكير ببدر، وتحذير للمشركين من وقوع مثلها معهم إن بقوا على معارضة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي كذلك وصف لحقيقة القتال، وأنه قتال بين طائفة تقاتل في سبيل الله تعالى والأخرى كافرة بالله تعالى، والذي وقع في هذه المعركة آية مميزة في سنة القتال بين الطوائف، لأن السنن التي يعرفها الناس أن الغلبة للعدد والقوة، و لكن ما وقع في بدر على خلاف هذا الجاري، فدل على أن عامل الإيمان عامل جديد في طبيعة هذا الصراع حين يكون الخلاف حول الإيمان لا غير.
وهذا استثمار لبدر وما حصل فيها، ولذلك ستكون بدر أصلًا لحوادث التاريخ الآتي، وعبرة لكل ناظر إلى معارك المؤمنين ضد خصومهم الكافرين، حين يستقوي هؤلاء بعددهم وقوتهم فيأتي اليهم المؤمنون بإيمانهن وثقتهم بالله تعالى فيحصل تأييد الله للمؤمنين ويقع النصر الحميد الذي يحبه الله والمؤمنون.
وفي الآية دليل على أن من قاتل الفئة التي تقاتل في سبيل الله تعالى هم كفار، هذا هو الأصل إلا أن يأتي صارف من تأويل وغيره والله أعلم.
وفي الآية مثال لما سماه أهل البديع بالإحتباك، وهو بعض أنواع الحذف، وعناه أن يحذف من أحد طرفي الكلام ما أثبته في الطرف الآخر، وهذه الآية جامعة للحذفين، فقوله تعالى: فئة تقاتل في سبيل الله وأخرى كافرة، فهي في أصلها فئة مؤمنة تقاتل في سبيل الله و أخرى كافرة تقاتل في سبيل الطاغوت، فحذف في طرفها الأول"مؤمنة"لوجود ضدها في الطرف الآخر، وحذف في الطرف الثاني: في سبيل الطاغوت، لوجود ضده في الطرف الأول.
"إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار"
التفسير القرآني لعوامل النصر والهزيمة تفسير مميز خاص، لأنه يرجع حركة الوجود صعودًا وهبوطًا لعامل الايمان وطاعة الله واتباع الرسل، وهذا التفسير هو الحق الذي يجب أن يراعيه المسلمون في دراستهم للتاريخ، فالله عز وجل يهلك القرى لكفرها ويديم نعيمها لإيمانها، وعلق الفساد على كسب الناس للباطل وعملهم بالمعاصي كما علق النعيم والخيرات بطاعتهم لله تعالى وحسن علاقتهم به.
لكن هذه الجملة تحتاج إلى كشف لأسرارها العملية، أي أن يعرف المسلمون كيفية عمل السنن الالهية في ربط الايمان بصلاح الوجود وفساده بفساد الوجود، اذ أن الله تعالى خلق سنن الخلق وهذه السنن لا تبديل لها ولا تغيير، وهذا يعني أن جريان الصلاح والفساد يكون على وجه سنني، أي وجود رابط مدرك بين السبب والنتيجة وليس مجرد أمارة بينهما، والفرق بين كون العقل سببًا أو أَمارة فرق كبير، وقد وجد في داخل المذاهب الاسلامية من نفى السببية بين العقل وأثره وهؤلاء هم الذين سيطروا على العالم الاسلامي ومشايخه وفقهاؤه طويلًا، ثم تحالف هؤلاء مع الصوفية، والصوفية في أصلها عقيدة غنوصية أي أنها رؤية هائمة تعلق الحقائق على معاني باطنية ذاتية لا رابط لها بعالم السنن.
القائلون بأن الكفر أمارة للدمار يجهلون لأنهم يرفضون أن يفهموا كيفية عمل الكفر في تحقيق هذا الدمار بوجه تدركه العقول وتفهم سيرورته بما تعرفه من سنن الفطرة وقانون الحياة، وأهل القرآن والسنة يدركون أن الكفر سبب للفساد على وجه مفهوم في بداهة العقول لكن بعد التأمل العميق للتاريخ وجريانه وللواقع ووجهة مسيرته، وهؤلاء المعنيون بقوله تعالى (( أولي الأبصار ) )،فهم جامعون لحقيقتين علميتين هما القرآن والواقع.