فهرس الكتاب
الكفر بالله تعالى هو كفر برسله وهو كفر بشرائعه وأوامره، وأعظم أوامره هو الايمان بالدار الآخرة، وفقدان البشر لهذا وخاصة الايمان بالدار الآخرة ويوم العدل الالهي بالثواب والعقاب هو سبب الفساد في الأرض، ولو تفكر الباحث والمؤرخ إلى أسباب صعود الأمم وهبوطها لوجد أن قضية النبوة والأنبياء هي العامل والعلة في ذلك.
لكن هناك قضية مهمة يغفل عنها الباحثون حتى المسلمين منهم وهو أنّ الله حكم أن لا يهلك قرية حتى يبعث في أهلها رسولًا، وحتى يبين لهم ما يتقون كما قال تعالى (( ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون ) )وقال تعالى (( وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولًا يتلو عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون ) )وآيات أخرى تشهد لهذا، وهذه الآيات من معانيها أن الفراغ ممنوع في التاريخ، فحين يكون علو وصعود لفئة كافرة إنما يقع في غياب الايمان أو ضعفه، وفي هذه الفترة) (وهي تشبه زمن الفترة التي يسميها العلماء بين أزمان الرسل ) ) يتم صعود الكفر وبنائه لنفسه فينشأ له ما يسمونه بالحضارات، ويقع له من التقدم الذي يبهر الأبصار فيقع التساؤل:- ها هي الأمم الكافرة تتقدم وتبني وتحكم بلا إيمان ولا عامل نبوة.
وقولهم حق لأن هذا ممكن الوقوع ولكن سبب هذا غياب المقابل، غيابًا كليًا أو فاعلًا، ومن هنا كان الجهاد في سبيل الله لطائفة الايمان واجبًا قدريًا لتحقيق السنن الالهية في الخلق، ذلك بأن الايمان يبدأ من خلال مصادمته لهذه الحضارات الجاهلية باعتزالها في قيمها وشرائعها، وتتصاعد هذه المصادقة حتى يقع هذا الذي قاله الله في هذه الآية (( قد كان لكم آية في فئتين التقتا ... ) )اذ تكون الحضارة الجاهلية قد أعملت المعاصي عملها في أكلها وخرابها وإفسادها، لانتشار الظلم والربا والزنا والسرقة وغيرها من المفاسد الاجتماعية والاقتصادية والدينية، وتبقى على وجودها ما غاب الايمان أو كان كلًّا غير فاعل، حتى إذا تحرك أهله به (وهم قلة مستضعفة) حصل الصداع وقد يطول وقد يقصر بحسب عوامل القوة في الفريقين، أي القوة المادية اللازمة والمعنوية الواجبة، يتم الحراك بينهما وكسب المواقع.
فالحضارات الجاهلية لا تقوم إلا بغياب الايمان أو فعله، وكذا لا تسقط من غير مجاهدة المؤمنين لها، وإذا تم سقوطها في غياب فاعلية الايمان يعني أن ترثها حضارة جاهلية أخرى كما قال تعالى على لسان هود عليه السلام (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا آلاء الله لعلكم تفلحون ) )، وقال على لسان صالح عليه السلام لقومه (( واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ... الآية ) ). وقد علمه قبلًا أن الله منع هلكة الأمم عامة كما كان الأمم السابقة وفرض الجهاد على أمة موسى بعده كما قال سبحانه (( ولقد آتينا موسى الكتاب من بعدما أهلكنا القرون الأولى بصائر للناس وهدى ورحمة لعلهم يتذكرون ) ).
اذًا أهل البصائر هم الذين يربطون النتائج بأسبابها الحقيقية ربطًا سننيًا مفهوم الادراك لدى فطر الناس وعقولهم، وبالتالي يربطون بين أمر الله تعالى وشرائعه وبين رقي الأمم وصعودها، ثم لا يغيبون أنفسهم عن مشهد هذا الربط بل يقذفون بأنفسهم في خضم هذا الحراك لأن وجودهم عامل مهم في تحقق الوراثة على الأرض ليقع قوله تعالى (( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد ) )
فأهل البصائر هم أهل فكر ونظر وأهل ارادة وعزيمة وفعل، أي أهل علم وجهاد، ووجود أحدهما غير كاف في تحقق الوراثة، اذ لا يمكن تحققها بمجرد العلم أن الحضارة الجاهلية فاسدة وخاوية ومتهاوية، فيجلس هؤلاء على شاطئ الحياة ينتظرون سقوطها ليرثوها، هكذا يحلمون وهو حلم الكثير من قادة الفكر والنظر في أمتنا.
إن العبرة من التاريخ لا تتحقق بالادراك والعلم فقط، لكنها تتحقق بالسلوك والعمل، ويكفي أهل الجهاد فخرًا أنهم دومًا الوسط الرباني لتحقق السنن الالهية في الوجود، فهم قدر الله تعالى كما قال سبحانه (( قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ) )،وهم منذ بعثته محمد صلى الله عليه وسلم وفعلهم هو الفعل الوحيد الذي يسقط الممالك والحضارات الجاهلية، وأيامنا هذه تشهد لهذا، لكن يا ليت قومي يعلمون.