فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 553

على من يشاء والله على كل شيء قدير {وما أفاء الله على رسوله من أهل القرى} إلى قوله تعالى: {والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} .

هذا المال فاء وعاد لمن يستحقه منهم أهله وأولى به من غيرهم، فهو حينئذ"لله وللرسول"، وقد ذكر ربنا سبحانه وتعالى اسمه تطييبًا للنفوس حين أخذها له، وذلك كقوله صلى الله عليه وسلم لجعل وأجرة الرقية:- اقسموا واضربوا لي معكم سهمًا، فالله هو الغني، لكن ذكر نفسه العلية مع المؤمنين تكريمًا لهم وتزكية للمال، وهذا من أكرم أموال الوجود وأحسنها وأطيبها لأنه عطية الله تعالى لعبيده، ولأنه من أشرف الطرق وأحبها إلى الله، ولا منّّة لأحد من الخلق فيه على المسلمين، ولذلك أعطي لرسول الله صلى الله عليه وسلم الذي طهره الله تعالى من أوساخ الناس كالزكاة والصدقة، وبعد ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم يشعه حيث يشاء من خاصة نفسه وحاجات المؤمنين عامة وخاصة، ولم يذكر الله تعالى نفسه في توزيع أموال الصدقة فقال {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} لانها أوساخ الناس، بخلاف الغنيمة والفيء، وجعل علة ذلك:- كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم. وههنا وقفة في فقه المال عمومًا في أحكام الله الحكيمة:

إن أعظم قاعدتين للمال في الإسلام هما: المجازقة والتفتيت، فكل ما يمنع من هاتين القاعدتين هو ممنوع في الشريعة، أما المجازفة فهي قائمة على قاعدة: لا ربح ما لم يضمن، وهذه أساس العقود لا يخرم منها شيء، فإنه لا يجوز لأحد أن يربح من مال تحت يده إلا ويكون ضامنًا له إن خسر أو هلك، ولهذه القاعدة حرم الله الربا، وحرم بيع ما لم يملك، وأما التفتت فإن الناظر إلى فقه المواريث وفقه الزكاة يجد أنها تمنع تكديس المال في يد أو أيد تتداولها دون بقية الناس، وههنا قال تعالى: {كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم} ولذلك فالإسلام حرب على نظام الإقطاع اجتماعيًا واقتصاديًا، وذلك أن حياة المال وبالتالي سعادة الناس في أن يجازف أصحابه به:"دعو ا الناس ينفع بعضهم بعضًا"، ومن لم يفعل ذلك فستأكله الصدقة وإلا الميراث، وهذا ضرب للنظام الرأسمالي من أساسه.

إن تداول المال بين فئات معينة فقط يقتل في الناس الفرص لتحسين معيشتهم، ثم تنشأ المشكلات الإجتماعية التي فيها هلكة الإنسان وحياته، فتنشأ الحروب بين المجتمعات المختلفة، وتنشأ السرقات والحرابة في داخل المجتمع الواحد، ولذلك يجب دفع أصحاب المال للمجازفة حتى يتحقق نماء المال وكذلك انتقاله وتوزعه ثمَّ إن المجازفة هي التي تحقق النماء الحقيقي في الإقتصاد، لأن المال لا يقابل بمال في الإسلام (فهذا الربا) ولكن ليتحقق الربح من المال يجب تحوله إلى بضاعة أو جهد أو منفعة، فإن لم يكن إلا المال مقابل المال فلا سبيل لذلك إلا القرض الحسن، وهذا مع سهولة أحكامه في الشريعة الإسلامية إلا أن كل المشكلات المالية الكبرى إنما تنتج من تمسك الأغنياء بأن يتحقق لهم الربح فقط بلا مجازفة، وبالتالي يزداد الثري ثراءً، وأما الفقير ففرصه قليلة في تحسين معيشته ولا تغييرها من فقر إلى غنى إلا من خلال الطفرات المرضية والتي سرعان ما تعود على الجميع بالإفلاس والهلاك.

إن توزيع الفيء تحت هذه الحكمة الربانية العظيمة {كي لا يكون دولة بين الإعنياء منكم} هو الذي دفع الفاروق عمر رضي الله عنه لنظام الخراج، إذ لم يوزع الأراضي المفتوحة على الجند، حيث قال الفاروق رضي الله عنه:- أما والذي نفسي بيده لولا أن أترك الناس ببّانًا ليس لهم شيء ما فتحت على قرية إلا قسمتها كما قسم رسول الله خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها )) أي معدمين لا شيء لهم.

وقال رضي الله عنه:- استوعبت هذه الآية (أي الحشر) الناس إلى يوم الحشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت