فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 553

والشهوات لقيم الأخلاق الإنسانية وقواعد العدل الفطرية، لكن المعاني الإنسانية ممدوحة في أصلها لأنها مرجع البشر في القيم والعدالة، لكن هذا المدح هو في عالم المثل (المطلق) أما حين تتعارض الحسنات فهذا باب آخر لا يفقهه إلا القليل، وفي يومنا هذا لطول إيلاف الناس لقواعد إنسانية ومذاهب وضعية صارت الكثير من أحكام الشرع وخاصة أحكام الجهاد في سبيل الله تعالى غريبة ومستهجنة في عقولهم، والمجاهدون إن تخلوا عن أحكام الشرع وقواعده حرموا الكثير من أسباب النصر، لأن الشرع رحمة لهم، وتركهم لباب من الأبواب هو سد لهذه الرحمة المهداة من الله تعالى، ولذلك نرى الكثير من طوائف الجهاد وخاصة التي يكون جهادها لدفع الصائل تتذرع في جهادها لالقواعد الإنسانية التي يقبلها الناس، فتمارس الجهاد ضمن هذه القواعد فتقيد نفسها بقيود تمنعها من تحقق النصر الذي يحبه الله والمؤمنون، هذا مع أن أعدائهم لا يستنكفون أبدًا من سلوك أي سبيل لتحقيق الغلبة لهم في حروبهم ويرونها وسائل مشروعة، فيمضي المشركون إلى مقاصدهم ويقف المسلمون يتحدثون حتى يضطرون إلى مهادنة الجاهلية والقبول بانصاف الحلول.

لقد حرق الصحابة النخيل والبيوت، واستخدموا هذا التحريق لتعيير أنصار اليهود من المشركين من قريش الذين عاهدوهم على النصر (فخذلوهم) فقال حسان بن ثابت رضي الله عنه في قصيدة مشهورة:-

وهان على شراة بني لؤي ... حريق بالبويرة مستطير

والمسلمون اليوم عمومًا وخاصة المفكرين وأصحاب النظر يخلطون بين حكمة الدعوة في سبيل الله وبين أحكام الجهاد في سبيل الله تعالى، وهذا خطأ، فالجهاد هو وصول الطرفين إلى أقصى درجات المنازعة، أي أن يهلك أحدهما الآخر، فهذه هي الدائرة، نعم ما وراء هذه الدائرة هو هداية الخلق ودخولهم في دين الله أفواجًا؛ لكن أن يصل الطرفان إلى الحرب والقتال يعني أن كل واحد منهما سيسعى لإهلاك الآخر وتدمير قوته، حتى لو أدّى هذا إلى إفنائه، ومن أعجب ما تمارسه جماعات الدعوة والتبليغ اليوم أنهم يقولون إن دعوتهم هي إعداد من أجل الجهاد في سبيل الله، ويلقنون أتباعهم هذا، ومثلهم الأحزاب الإسلامية التي تمارس الأعمال الجاهلية كالديمقراطية وغيرها، فإنهم يعتبرون أن أفعالهم هذه هي إعداد للجهاد في سبيل الله تعالى وهذا مع أنه أحلام في السُّحب إلا أن هذا هو عين الجهل في سنن الحياة وقواعدها، لأن مجرد التحضير للقتال هو عند الخصم قتال حقيقي يوجب عليه قدرًا أن يقتل أو يحارب ويهلك ويدمر خصمه، وهذا ما يقع، ولكنهم بدل اعتبارهم يذهبون إلى القول أن خصومهم قتلوهم وسجنوهم من أجل منع الكلمة وهذا خطأ غير صحيح، وقد أدرك بعض المفكرين هذا فبدل تحضير الأمة واقعًا، أو الأخذ بيد الطائفة المنصورة إلى الجهاد أو مدحها ذهبوا إلى مذهب بدعي جديد سماه بعضهم بمذهب ابن آدم الأول الذي قال: {لئن بشطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك} ، وجعلوا هذا هو خيار الأمة المسلمة أمام أعدائها وهو خيار ضال باطل، وهناك غيرهم من تخلى كليًا عن الجهاد في سبيل الله وجعل دعوته قاصرة على بعض الدين مما لا يتعرض للطغاة والملأ من الجاهلية، وغيرهم من رضي أن يحقق بعض منافع للناس من تحسين حياتهم ومعيشتهم لأن هذا ما يعني الناس لا غير، والاوئل من جماعات الدعوة الذين لا يتخلون عن الجهاد مع سلوكهم غير السبيل القويم له أصح دينًا وأضل قدرًا، وأما الآخرون فهو أضل دينًا وأصح قدرًا، ودين الله هو الذي يتحقق فيه الدين الحق الذي يتحقق فيه الدر المحبوب عند الله تعالى.

هذا هو الشق الأول من القصة القرآنية:- بلا خيل ولا قتال ولا عسكرة جعل الصحابة يحرقون النخيل ويخربون البيوت فانهارت معنويات اليهود فاستسلموا على صلح يجيز لهم الرحيل بما خف معهم من مال ومتاع، فبقيت الأرض، بما بقي فيها من عمران أو زرع، فبدأت أحكام الشرع في وضع هذا المال موضعه، فقال تعالى: وما أفاء الله على رسوله منهم فما أوجفتم عليه من خيل ولا ركاب، ولكن الله يسلط رسله

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت