فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 553

إن هذا الخراب في باطنه هو صلاح الوجود، لما يترتب عليه من قطع سلطان هؤلاء المفسدين في الأرض، فإن البيوت التي يطمئن فيها أصحابها وهم يمكرون ويفسدون ويحاربون الله ورسوله والمؤمنين لا تستحق البقاء حتى لو تسمت باسم المساجد كمساجد الضرار، فإن الأسماء لا تعصم الأفعال إن كانت على الضد منها، ومما هو ظاهر من الآيات أن التخريب كان للبيوت وهي مأوى للسكن وليس للحصون وهذا يدل على ما يقوله الفقهاء من جواز تخريب ما يقدر عليه المجاهد ما دام العدو ممتنعًا.

وذكر الظنين (ظن المؤمنين بعدم خروج بني النضير، وظن النضيرر بالمنعة في الحصون) يدل على أن ظن المؤمن لا يضره إذا كان في موقف الشرع، وحتى الأماني لا يتعلق بها وجود نفيًا أو اثباتًا لقوله تعالى:- {ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءً يجز به ولا يجد له من دون الله وليًا ولا نصيرًا، ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرًا} فالعبرة بالموقف والعمل لا بالظنون والأمل.

قوله تعالى: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} هو مراد القرآن من قص هذه القصص للمؤمنين حيث لا يرونها ماضيًا قد تم ولا تجددّ فيه ولا عودة، بل هي السنة الجارية توجد حيث توجد أسبابها وتنتفي موانعها، فإن هذا هو حال الناس إن سلط الله عليهم غضبه لمعاصيهم بأن يهلك ديارهم كما قال تعالى {وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله فحاسبناها حسابًا شديدًا وعذبناها عذابًا نكرًا فذاقت وبال أمرها وكان عاقبة أمرها خسرًا} وكما قال تعالى {وضرب الله مثلاُ قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها من كل مكان فكفرت بأنعم الله فاذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون} ، فهي عبرة للمؤمنين أن لا يقعوا مواقع هؤلاء القوم فيصيبهم ما أصابهم، وهي عبرة للمؤمنين أن من يغالب الله يغلب، وهي عبرة للمؤمنين أن الجاهلية فيها خروقات كثيرة تجهلها هي وأنها تحمل عوامل فسادها مهما طالت الحياة.

إن هذه الغزوة فيها عبرة مهمة لأهل الإيمان وجماعات الجهاد، إذ أن هذه الغزوة لم يكن فيها قتال، ولم يضرب فيلا بسلاح إنما كانت فقط تحريق النخل وتخريب البيوت، وفي ذلك إرشاد للمؤمنين سُبل محاربة أعداء الله لا تتوقف على وسيلة من الوسائل الحربية بل كل ما حقق الرعب في قلوبهم من التحريق والتخريب للبيوت إنمّا هو من هداية الله لهم، والسورة تقرن تخريب المؤمنين لبيوت أعدائهم مع مسألة الفيء، وهذه يمكن لأهل الإيمان أن يبدعوا من الوسائل في هذا الباب حتى يتحقق الرعب الذي يحبه الله تعالى، فهو جندي من جنوده يمد به المهتدين من المجاهدين من أهل الإسلام.

إن الآية واضحة جلية في بيان شرعية التخريب لبيوت الكافرين، وحرق أموالهم كما سيأتي في الآية التالية، وهذا شرعي لإخراجهم من بيوتهم فكيف إذا كان من أجل إخراجهم من بيوت المسلمين وديارهم؟!

يقول الله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين}

لقد وقع في قلوب الأصحاب رضي الله عنهم بعض ملامة لأنفسهم في حرقهم وقطعهم النخيل، وكانت هذه الآية إراحة لنفوسهم أن فعلهم ممدوح ومحمود عند الله تعالى، وعلة ذلك {وليخزي الفاسقين} ، وهذا الحرج الذي وقع في نفوس الأصحاب هو لطول الألفة مع جيرانهم اليهود، ولمحبتهم لهذه الشجرة التي لها المعاني الكثيرة في حياتهم، ولكن هذا الحرج منفي لأن اخزاء الفاسقين مقصد رباني أعلى من غيره من المعاني الإنسانية، وهذا يعلم المؤمنين الفارق بين ما يحسون معاني حياتية انسانية وبين المعاني الشرعية التي يحبها الله تعالى ويرضاها لهم، والقرآن الكريم لا يقوِّم الأهواء والرغبات فقط ولكن يقوم المعاني وهذا مدخل دقيق، لأنّ تقويم الأهواء والشهوات يدركه كثير من الناس مصادقة هذه الأهواء

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت