فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 553

الدنيا )) ولذلك قال تعالى: {أفمن وعدناه وعدًا حسنًا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} وهذه الآية في سورة القصص جعلها الله مقدمة لما سيقصه علينا من قصة قارون في نفس السورة وختامها، وهكذا فإن الله عجل لبني النضير خروجهم ولو أخرهم كما أخر غيرهم من يهود اليهود لما رأو غير القتل كما وقع مع بني قريظة.

إنّ المؤمنين كثيرًا ما يقفون أمام الوعود الإلهية في حيرة من كيفية وقوعها، وكيف ستكون لما يروا من موانعها أمامهم، ولكنهم يؤمنون بهذه الوعود أنها آيته ويفوضون كيفية وقوعها لله تعالى، وهم على يقين أنها ستأتي ولكن لكل أجل كتاب، وهذا ما يجعل المؤمن ثابتًا في مواقفه، لا ينتكس إن رأى عوارض الوعود كما يفعل المنافقون، إذ تهتز ثقتهم بدين الله ووعوده ونصرته عند كل محنة فيظنون أنها القاصمة لهذا الدين، وهذا بين كما سيأتي في غزوة الأحزاب في حنين، فالصحابة لم يظنوا أن يخرج هؤلاء اليهود، ولكن الله أخرجهم وأما هم فقد اعتصموا بحصونهم المنيعة، وهذا شأن كل معاند يظن أن هناك من الخلق ما عصمه من عذاب الله كما وقع لابن نوح حيث قال: {سآوي إلى جبل يعصمني من الماء، قال لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم فحال بينهما الموج فكان من المغرقين} ولكن جرت سنة الله تعالى عليهم حيث مكر بهم: {فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا} وهذا الذي أتاهم هو ما هدى الله رسوله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من تحريق نخلهم، فشبت فيها النار، فلما رأوا ذلك وقع الرعب في قلوبهم فطلبوا الصلح.

وسنن المكر الإلهي بأعدائه تقوم على قلة فقههم بمنافذ الفساد في أنظمتهم وحياتهم ولذلك قال تعالى {قد مكر الذين من قبلهم فأتى الله بنيانهم من القواعد فخر عليهم السقف من فوقهم وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون} ، وهذه السنة من أعظم ما ذكره الله في كتابه في تعامله مع الكافرين، إذ أن الكافر إنما يبني بناءه في أساسه على ما يريد ويحب من المتانة والقوة ثم يرتفع البناء فتشغله الأهواء والرغبات والتحسينات والزخارف، فهو يقوم عليها يراقب لمعانها وبريقها وجدتها، ولا يدري أن عوامل الفناء والخراب إنما تضرب جذور بنائه، لأنه في غفلة عنها منشغلًا بما يرى وعلا، فإذا جاءت الهلكة كانت قاصمة قاضية لا سبيل لردها أو تجاوزها، وهكذا مال كل الأنظمة الجاهلية سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية تملك عوامل فنائها ودمارها لمصادفتها سنن الخلق وفطرة الحياة، فهي تصادم التاريخ والإنسان والوجود فلابدّ أن تهزم وتنهار، وأن شأن المؤمن فهو كخامة الزرع الخضراء تنحني مرة وتعود أخرى، وهو شأن هذه الأمة لا تكسر ولا تبيد ولا تنهار وإن هزمت في بعض حروبها لأن النصر الدائم ممتنع في الجياة ومخالف لسنن الوجود.

هؤلاء اليهود قذف الله في قلوبهم الرعب فاستسلموا لينجوا بأنفسهم وبعض ما يملكون بعد أن رأوا النار قد شبت في نخيلهم.

إن هذه السنة في تحقق النتائج خلاف ما يتوقع المؤمن تبين خصوصية معاملة الرب لهذا الدين، ومن ذلك ما نراه اليوم من انتشار الإسلام في الناس مع أنه في لحظة ابتلاء وامتحان، ولو كان الأمر يجري على ما يرى الناس من الأفكار والمذاهب والأديان الجاهلية لخرج الناس من الدين ولم يأتوا إليه، ولكنها يد الله في رعاية هذا الدين وهو القائل: {وإن تتولوا يستبدل قومًا غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم} وهو تحذير لهذه الأمة أنكم أنتم بحاجة لهذا الدين، وأما الدين فهو لله وهو ليس بحاجة لكم.

كانت نتيجة الصلح معهم أن يخرجوا من ديارهم بما خف معهم من المال، فصار الواحد منهم يقلع باب بيته وما فيه ليحمله معه إلى حيث رحيله، فجعلوا يخربون بيوتهم بأيديهم، وهذا من أشق ما يقع على النفس، وهو أن يهدم بنفسه ما تعنى ببنائه وتشييده، وأما المؤمنون فقد جعلوا يحرقون النخيل والبيوت ليصلوا إلى ما وصلوا إليه من استسلام هؤلاء الجبناء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت