فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 553

وأما أنه لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه حيث يشاء من أمر نفسه أو أمر العامة فهز يؤكد أن هذا المال لا يكون حلالًا للمقاتل المجاهد فقط بل هو للمسلمين عامة دون تفريق إلا بضابط المصلحة الشرعية التي يراها الإمام أو من يقوم مقامه.

بهذا يقع صلاح العالم، وإن لم يمكن ذلك فالخيار الثاني: {يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين} .

سورة النضير بتفصيلها موضوع الفيء تبين أهمية حل مشاكل الجهاد ومسائله داخل الأمة، لأن حياة الأمة هو الجهاد كما قال تعالى: {استجيبوا لله والرسول إذا دعاكم لما يحييكم} أي للجهاد، وقضية المال واتصاله بالجهاد قضية مهمة، إذ قدم المال في كل المواطن في القرآن الكريم على النفس إلا في آية البيعة حين قال تعالى: {إنّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة} وذلك لشرف المواطن ههنا فاقتضى تقديم النفس لشرفها على المال عند الله تعالى، وأما الإنسان فهو يبذل روحه ليفدي ماله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ومن قاتل دون ماله فهو شهيد"لما في أخذ المال من الإنسان على سبيل الغلبة من المهانة والذلة ما تأباه النفوس الشريفة، ولما للمال من أهمية في نفوس الناس وحياتهم، وجل هذه القضية لأن الجهاد وهو المصدر الأول للمجتمع المسلم ماليًا، وهو المورد الأهم كجبي المال، ورسولنا صلى الله عليه وسلم يقول:"جعل رزقي تحت ظل رمحي"، وقد وضع القرآن حلّ هذه القضية المالية في هذه السورة حتى السياق الإيماني لتركيبة المجتمع المسلم على أساس أفعال الإيمان:-"مهاجرون وأنصار"، إذ أن هذا التركيب هو الذي بين خصوصية هذا المجتمع في تشكيله ومقوماته، وضمن هذا التركيب الإيماني يأتي الحديث عن الشوائب القذرة التي تعلق به قدرًا لازبًا، وهم فئة النفاق الذين يستمدون وجودهم من جوار أعداء الإسلام لهم، فهؤلاء يجب منعهم من المال فلا نصيب لهم في الفيء كما سيأتي.

والآن لنرى البيان الرباني لهذه الغزوة

{هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر، ما ظننتم أن يخرجوا وطنّوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فآتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الابصار، ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار، ذلك بأنهم شاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب}

أهل الكتاب هؤلاء (بنو النضير) عرب من اليمن، ليس الأوس والخزرج بأولى منهم في الأرض التي كانوا عليها قبل إسلامهم، أخرجهم الله من ديارهم، هذه الديار التي عمروها وتعبوا في اتقانها، وحصنوها ضد عوادي الزمن والخصوم، وكان العرب المشركون من الأوس والخزرج يعظمون أهل الكتاب لعلمهم، فكان هذا الإخراج ضربًا لهذا الشعور، ورفعًا لقيمة الإيمان الذي تحصله هؤلاء الأصحاب، وهذا من النعم الإلهية عليهم، فهم كانوا (ما ظننتم أن يخرجوا) ، ولكنهم خرجوا، وهذا خروج أول وسيكون ثان، وهو ما وقع بعد خيبر كما يقول المفسرون، والحق أن اليهود هذه سنة الله تعالى في تشريدهم في الأرض مرة بعد مرة لإفسادهم في الأرض فحالهم حال المحارب ينفى من الأرض حتى يسقيم أمره. وهو تنبيه إلهي إلى دوام هذه المعركة معهم وعدم إنقطاعها، وأما غيرهم ممن لم يخرجهم الله فهم الذين قال عنهم {ولا أن كتب الله عليه الجلاء لعذبهم في الدنيا} وهؤلاء بنو قريظة، كما وقع معهم، وهذه سنة الله تعالى جارية أن تعجيل العقوبة خير من تأخيرها، ولذلك هذه الأمة (أفرادًا وجماعات) تعيش بلاء هذه الدنيا ومحنها ومصاعبها، وكل ذلك تكفير لها عن سيئاتها حتى تأتي يوم القيامة قليلة الحمل من الاوزار، أما الكافر فقد قال تعالى: {ويوم يعرض الذي كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون} وقد أخذ رسولنا صلى الله عليه وسلم هذه الآية عندما ردّ على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما سأله أن يبسط الله على هذه الأمة كما بسط على فارس والروم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم في حياتهم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت