فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 553

غزوة بني النضير هي الصدمة الأولى بين المؤمنين واليهود، لأنهما ليسا أمة واحدة من دون الناس كما تزعم روايات الوثيقة الضعيفة، وقد إختار اليهود منذ أول يوم عدم طاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا الدخول في أمته كما ذكرت أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب من ولد هارون عليه السلام بعد أن أسلمت رضي الله عنها، وبالرغم أن الصدامات التاريخية بين المسلمين واليهود لم تكن بمقدار الصدامات الحربية مع النصارى إلا أن القرآن الكريم يكثر الحديث عن اليهود أكثر من حديثه عن النصارى، لأن أثرهم الإجتماعي والديني والإقتصادي في العالم وتاريخه أكثر من غيرهم مع قلتهم وخضوعهم ذلة ومسكنة لغيرهم، وهذا مشاهد اليوم أكثر من غيره فيما سبق من التاريخ، وأنا أعتقد أن اليهود اليوم يعيشون العلو الأول الذي ذكره الله تعالى في القرآن في سورة بني إسرائيل (الإسراء) وأن العلو الثاني يكون عند مجيء الدجال، وأنا أعلم أن هذا القول يخالف أكثر ما عليه الناس في القديم والحديث لكن هذا القول هو الذي يشهد له التاريخ، إذ لم يكن لليهود علو في الأرض قط سابقًا، وكل ما قيل هو مجرد أساطير وأوهام وأخبار توراتية مكذوبة، ولشرح هذا موطن آخر ليس ههنا.

إن تعامل النبي صلى الله عليه وسلم مع اليهود كطائفة (بني النضير) حيث أخذهم بجريرة بعضهم بعضًا يدل في بداهة الشرع والعقل أنهم ليسوا مواطنين بمفهوم الأمة الواحدة، لأن مفهوم المواطن ضمن الأمة الواحدة أن يعامل كل فرد باعتباره شخصية مستقلة في العقوبة، وقد تتوسع دائرة المسائلة قليلًا كما في القساوة ودية القتل الخطأ، ولم يعرف قط أن النبي صلى الله عليه وسلم استنفر اليهود لأي من حروبه التي خاضها ضد أعدائه سواء كانت الدفاعية أو الدعوية (جهاد الدفع أو الطلب) ، وما وقع مع بني قريظة أكثر دليل على هذا إذا لم يكونوا معنيين بالحصار، ولكن كان بينهما عهد يوجب تأسيس كل طرف جانب الطرف الآخر، وقد خانوه، فالذين يتحدثون عن الأمة الواحدة (بين المؤمنين واليهود) إنما يضربون في تيه الجهالات والرؤى الخاصة التي لا تثبتها الأدلة قط بل تردها وتنفيها.

سورة النضير ترسي قواعد الإصلاح للوجود الإنساني عامة والوجود الإيماني خاصة، وتبين خيارين اثنين فقط للثقل المال إن أراد المؤمنون إصلاح هذا الكون وتقويم سبيله؛ الخيار الأول: أن يكون هذا بين أيدي المؤمنين، يتوارثونه بينهم، وسبب التوارث و الصلة الإيمانية بينهم كما سيأتي، والخيار الثاني:- هو تخريب هذا المال وتدميره، ومما يلفت النظر في موضوع الفيء أمران:- أولاهما: اسمه، ثانيهما:- موضوعه.

أما الإسم فهو الفيء، وهو مشتق من العودة، فليس المال انتقالًا من أصلي إلى أجنبي، بل هو العكس، هو عودة المال إلى صاحبه، وهذا إرساء لقواعد الحياة على أساس الإيمان والتوحيد، فإن الكافر بكفره فاقد لأهلية التملك ابتداءً، فمن كفر بالله لا يستحق أن يملك من عطائه ونعمه، وهذا هو أصل إصلح الوجود، لأن المال وثقله في يد الكافر إضلال الناس عن سبيل الله-والذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله، وإفساد للوجود - وقال موسى ربنا إنك آتيت فرعون وملأه زينة وأموالًا في الحياة الدنيا ربنا ليضلوا عن سبيلك، ربنا اطمس على أموالهم واشدد على قلوبهم فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم وهذا من فقه النبوة التي علِّمها موسى عليه السلام، فالفيء حكم شرعي لمنازعة الكافر في عدم شرعية تملكه.

أما موضوعه ففيه أمران:- أنه أخذ لمال الكافر المحارب بلا قتال (بلا إيجاف خيل ولا ركاب) ، وثانيهما: أنه بكامله لرسول الله صلى الله عليه وسلم يضعه في مسالح المسلمين عامة وفي خاصة نفسه.

أما أنه أخذ لمال الكافر المحارب بلا قتال فهذا يسقط دعوى الجاهلين الذين يعلقون أمر هذا الأخذ على الحرب والقتال كما هو في شأن الغنيمة، فالفيء والغنيمة كلاهما أخذ من جهة واحدة لكن تعددتا طرق الأخذ فتنوعتا طرق التوزيع، فالفيء أخذ من الكافر بلا حرب ولا فتال، لكن لما رفض الكافر الخضوع لأمر الله ولو في وجه من الوجوه كدفع الجزية كان ماله حلالًا للمؤمنين على أي وجه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت