فهرس الكتاب
قوله تعالى {ومن يوق شحّ نفسه فأولئك هم المفلحون} قاعدة إيمانية وحياتية فإن البخل ومنع العطاء هو أساس هلكة الحياة، وعدم مطاوعة النفس في حبها لما في يدها ورغبتها في المنع هو أساس الفلاح في الدنيا والآخرة، ولذلك فإن أول كلمة قالها رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما دخل المدينة كما ذكر ذلك عنه عبد الله بن سلام رضي الله عنه هي:- أيها الناس أفشوا السلام وأطعموا الطعام وصلوا بالليل والناس نيام تدخلوا الجنة بسلام"فقوله أفشوا السلام: هو أساس الأمان الإجتماعي، وقوله: أطعموا الطعام هو قاعدة الحياة الإقتصادية، وقوله: صلوا بالليل والناس نيام هو قاعدة الحياة الدينية في المجتمع المسلم، وبهذا يتحقق الرضا الإلهي الذي فيه سعادة الآخرة، وهي سبيل سعادة الناس في الدنيا."
{والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} .
فهؤلاء هم القسم الثالث، وهم الجيل التالي لكل مجتمع يتشكل من المهاجرين والأنصار، والمقصودون الأوائل من هذه الآية هم كل المسلمين التالين للمهاجرين والأنصار الأوائل، فهؤلاء كذلك لهم الفيء على شرط صلتهم الإيمانية مع الآباء المؤسسين وإلا فلا حق لهم في الفيء لانقطاع النسب بينهم.
وفي الآية فقه لأهل الإيمان وهو أن الدعاء بالمغفرة لا يقتضي وجوبًا وجود سببها من المعاصي، ومن ذلك قوله تعالى: {لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رؤوف رحيم} فهذه توبة من الله على أحبابه بأن عصمهم من الوقوع في الإثم، إذ لو وقعوا فيه لكانوا آثم، فلما عصمهم منه كان كالتوبة لهم، وهذه التوبة تفرق عن التوبة التي وقعت للثلاثة المخلفين الذين قال الله فيهم {وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم} فهذه توبة من الله بعد الوقوع في الإثم، فتاب الله عليهم ليحصل لهم سقوط الإثم عنه-تاب عليهم ليتوبوا- وأما الأوائل فقد تاب الله عليهم بأن منعهم من الوقوع في الإثم، ولذلك كانت الفاصلة القرآنية في الآية الأولى:- إنه بهم رؤوف رحيم، وأما الفاصلة في الآية الثانية فهي: إن الله هو التواب الرحيم، تتلاءهم كل فاصلة مع مناسبتها من الحال، فالثلاثة تأخرت عنهم التوبة الأولى- خلفوا- لوقوعهم في الإثم، وانظر إلى الفاصلة هنا في سورة الحجر مع الفاصلة الأولى التي في التوبة لتعرف أي الحالين أشبه ببعضهما البعض.
فقول التابعين {ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان} هو شامل للأمرين، لأن كل ابن آدم خطاء لكن لا يلزم وجوبًا وجود سببه الذي يزعمه أعداء الصحابة رضي الله عنهم.
بهذه المشاعر والعواطف تتواصل الأجيال المؤمنة، يعرف اللاحق فضل السابق، وتعرف الأجيال فضل بعضها بعضًا، فلا يلغي التالي ما قدمه الأول بل يبني عليه ويسير على نفس البناء والعطاء، وهذا يدل على أن الإيمان نوع واحد في الأجيال، لا يتغير موضوع ولا أعماله ولا قيمه، فاللاحقون يرون الأعمال الواجب عليهم هو الإيمان الذي كان عليه سلفهم فلا يبدلون ولا يغيرون، ولا يوجبون للإيمان معاني أخرى مبتدعة تحت حجة تغير العصر وتبدل الأحوال، فإن القيم الإيمانية واحدة، وما فرضه الله على الأوائل هو ما فرضه على الأواخر من هذه الأمة.
هذه هي الطريقة الربانية في صياغة المجتمع الذي يحبه ويرضاه، مهاجرون وأنصار وأتباع على نفس الدرب والطريق، والناظر إلى تحول المجتمع العربي من نظام القبلية إلى مجتمع مدني (كان الرجل ينسب لقبيلته فصار الناس ينسبون إلى مدنهم) يرى أن طريقة هذا التحول إنما هي هحرات