فهرس الكتاب
الناس من أجل الجهاد في سبيل الله، أو ما يوطيء له الجهاد في سبيل الله من مدن وبلدان جديدة، فما مدن الإسلان إلا لحماية المجاهدين في سبيل الله وتأمين مساكنهم وعوائلهم وظهورهم، هذا ليعرف المسلمون اليوم تاريخ أجدادهم الحقيقي في طريقة توريثهم هذه البلاد والديار التي عم في أكثرها حكم المرتدين والكفار.
لقد تشكل كثير من العالم الجديد عن طريق الهجرات التي أفنت السكان الأصليين وحولتهم إلى سخرة للسيد الجديد، أو أقلية لا تقوى على مجابهة سبل الحياة، والعجب في تاريخ الإسلام أنه ما أن تمّ الجيل الأول وقليل من الثاني من الفاتحين المسلمين وهم عرب حتى صارت القيادة والإمارة إلى غير العرب بعد أن اهتدوا بنور الإسلام، فغلب الفرس ثم الترك والمماليك، وهذا يدل على عظمة هذا الدين ورحمة أهله على الخلق.
هكذا نرى أن الوعظ الإيماني في مسائل المال وقضاياه، والوعظ الإيماني في مشاكل المجتمع وتركيباته وقيمه إنما تتم من خلال حركة الأمة المجاهدة، فعلى وقع الجهاد تسير إيقاعات الحياة في كل جوانبها لتعلم الأمة معنى هذه القيمة، والتي هي ذروة سنام الإسلام، والتي ضيّعتها الأمة إلا فئة قليلة منصورة لا يضرها من خذلها أو خالفها حتى يأتي وعد الله، ومع كل هذا وغيره مما يتأمله الناظر للقرآن الكريم نجد من يطعن في هذه الشرع ويقذف رجالها بأشد التهم إعمالًا للشهوات ولقواعد الجاهلية التي استمرؤوها، فأخضعوا حكام الشريعة لها، وأعرضوا عن نور القرآن وهديه، فهَمّ أحدهم أن يبكي مع الباكين بأن المجاهدين اليوم أساؤوا للإسلام، وذلك حين يخضع لدعايات الكافرين والمنافقين، وما يقصفون به عقولهم من صور لدار أحرقت، أو لينة قطعت، أو عمارة انهارت، فبدل أن يقول كما قال تعالى {وليخزي الفاسقين} فليخزوا وليتألموا وليبكوا ما كان أمرهم هو مشاقة الله ورسوله، بل هو يذهب لعير المجاهدين ويرجمهم بكل نقيصة، أو يتعقب أخطاءهم وعوراتهم بلا درع ولا دين ولا خلق. وإني على يقين أنه لو عرضت وسائل الإعلام الكافرة والمنافقة اليوم صورة الصحابة وهم يخربون بيوت بني النضير ويحرقون نخيلهم ويقطعونه ثم يخرجونهم مخزيين باكين متألمين من ديارهم لما زادوا عن قولهم الذي يقولونه اليوم في المجاهدين:- الإسلام دين العمران والمحبة لا دين التخريب والتحريق، وهو بريء من هؤلاء، ولكن يشهد الله أننا نحبهم ونقول: ربنا لا تجعل في قلوبنا غلًا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم.
حكام بلاد الكفر وجيوشهم من أبناءهم يقتلون أبناءنا ويهدمون بيوتنا ويسرقون أموالنا، ويهلكون الحرث والنسل، وأهل الجهالة يقولون أن المجاهدين يقتلون الأبرياء، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلي بني النضير ويأخذ أموالهم لأن قادتهم تمالؤوا على جريمة لم يشترك فيها كل القوم، أو على الرواية الأولى أن أربعين منهم ساروا وتمالؤوا مع قريش ضد المسلمين، فمن نتبع إذًا؟ هؤلاء الذين رقت قلوبهم لقتلى الكفار ولم يسمع منهم قول عزاء للمسلمين وضعفائهم أم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه؟ أنا نحن فنقول:"ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا باإيمان".
إن قوله تعالى: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة} وقوله:- {يخربون بيوتهم بأيدهم وأيدي المؤمنين} يدل على جواز ضرب كل وسائل العمران والإقتصاد في ديار الكافرين، بلا تفريق بين مصانع أو مراكز تجارة أو إقتصاد، أو عمد إمداد للطاقة والماء أو وسائل الإتصالات، كل هذه الأمور وغيرها إن تعرض لها المجاهدون بالإهلاك أو الأخذ ممدوح محبوب عند الله تعالى، {ليخزي الفاسقين} ، والحروب اليوم في جملتها هي حروب استنزاف للقدرات والأموال والطاقات حتى يضعف الخصم ويستسلم لمطالب الأخر، وخاصة حين يكون هذا قتالًا بين مجموعات صغيرة وقوة كبيرة، فإن أسلوبها الأفضل هو تكثير الجراح في هذه القوة حتى تصاب بالوهن والضعف، وكذلك اليوم من سياسات الحروب الباردة بين