فهرس الكتاب
المتكافئين يقع إستخدام قريبًا من هذا الأسلوب في استنزاف طاقات الخصم وخاصة الجانب الإقتصادي، لأن حياة الناس إنما هي في هذا الجانب، وفي فن الحرب يقولون:- الجيوش تمشي على بطونها.
{ألم تر إلى الذين نافقوا ... إلى قوله تعالى:- فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين}
لا يوجد موضع قرآني ذكر فيه الجهاد إلا وللمنافقون حضور، سواء كان قبل الحدث أو خلاله أو بعده، فقد قالوا مقالتهم (( غر هؤلاء دينهم ) )بعد بدر، وقالوا: (( ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا ) )خلال الخندق، وقالوا الكثير بعد أحد، وقالوا قبل تبوك كما في التوبة. وههنا لهم مقالاتهم الضالة عند حصار رسول الله صلى الله عليه وسلم للنضير، فحضورهم مقرون مع الجهاد، ومع الإنفاق، أي عند الذل والإمتحان والإبتلاء، فالجهاد نار تكشف الزيوف من النقد، وتظهر مكنونات النفوس وما انطوت عليه، ولما كان الجهاد هو حياة الأمة فإن هذا الحال يمنع غلبة هذه الطائفة أو تسلمها القيادة، لأن الأمة المجاهدة تعرفهم، وتكشف أسرارهم من خلال أقوالهم ومواقفهم.
النفاق والمنافقون قدر لا زب لهذه الأمة، والقرآن الكريم يعرف أقوالهم وأفعالهم المتعددة لحاجة الأمة في كشف هذا الصنف، إذ سيكون في الأمة من يسمع لهم (( وفيكم سماعون لهم والله عليم بالظالمين ) )، وإذا كان المجتمع الأول هو في طهره ونقاوته وصلابته المعروفة في التاريخ، إلا أنه عانى الكثير منهم، وأصابوا من المسلمين آلامًا وجراحًا وتخذيلًا الكثير فكيف سيكون حال من بعدهم، ولعل أشد ما لاقاه الصحاية رضي الله عنهم إنما كان بعد أحد، وهذا سيأتي شرحه في غزوة أحد القادمة إن شاء الله تعالى.
في هذه السورة كشف لمواقفهم مع أهل الكتاب من النضير، فقد أرسل المنافقون رسائلهم إلى النضير خلال الحصار أن اصبروا واثبتوا، وقد قرن الله بينهم باسم"الأخوة"، (( يقولون لإخوانهم الذين كفروا من أهل الكتاب ) )فهم وإن كانوا يعيشون في الوسط الإسلامي لكن ضعوهم هناك مع غير المسلمين، والمرء يتساءل لماذا هذه الكراهية للإسلام؟! وكيف لهم أن يميلوا مع أهل الكتاب ضد بني قومهم في الأرض الواحدة؟.
التاريخ يقول إن المنافقين كانوا قبل الإسلام لهم الصدارة، فجاء الإسلام وسلبهم بعض شهواتهم، إذ كان منهم من هو سيد قومه الذي يؤلهونه، فيحكمونه في الصغير والكبير، فلما جاء الإسلام رأى أن الله رفع بهذا الدين أقوامًا ووشع آخرين، وكانت رفعة المؤمنين بالإيمان فوق ما هم عليه لتخلفهم وترددهم وعدم صدقهم، فطاش عقله، فبدل أن يستقيم ويدرك سر هذا الدين وعظمته مع الصادقين معه راح يمكر به ويكيد له كل الكيد، وعلى جانب الحدود هناك أهل الكتاب، هم الحرب مع المسلمين، فاتصل بهم ليعودوا له سلطانه الذي ذهب، ويحققوا له شهوته التي طمستها أنوار الإسلام، هذه قصة هؤلاء، فهو الحق من جهة، وهو الحسد من جهة أخرى، وهو مع كل هذا وفوقه وتحته: حب الدنيا وإيثارها على وعد الله تعالى.
وآحرون من المنافقين تسيرهم الدراهم والدنانير، أسلموابألسنتهم دون قلوبهم، أعراب أجلاف، غلاظ القلوب والأفهام، فما أن يأتيهم أهل الكتاب ببعض الوعود حتى يتبين تحت أرديتهم جلود الذئاب والكلاب المسعورة، وهؤلاء كانوا دومًا وقود حروب أهل الكتاب ضد أمتنا:-
-في الحروب الصليبية في المشرق صار الأعراب وإخوانهم من الإسماعليين والرافضة يدًا واحدًا على أهل الإسلام.
-ومن أسباب سقوط الخلافة الإسلامية العثمانية هم الأعراب من أهل الصحراء في الجزيرة العربية وبادية الشام وحدودها، صاروا جنودًا مسعورة لرجل (( لوطي ) )اسمه لورنس، فقتلوا من المسلمين الكثير، ومثلهم من تسمى باسم شريف مكة- الشريف حسين، الذي ضرب المسلمين في الظهر طمعًا في الملك الموعود على يد الإنجليز، فأخزاه الله ورمي مهينًا طريدًا، ومات كمدًا في قصة من قصص العبرة الإنسانية في التاريخ،