فهرس الكتاب
إن حقدهم ونفاقهم يمكن أن يدفعهم لنصرة إخوانهم ولكنهم سيخذلونهم عند أشد الحاجة لهم، وذلك حين حضور الصفين، والحق أن هذا أبلغ في الخذلان، لأنه لا إمكان لجبره بخلاف ما لوقع قبل ذلك فيمكن جبرانه، أما قوله تعالى (( ثم لا ينصرون ) )دليل على تسمية الثبات نصراُ، فمن ثبت فهو المنصور، فليس الهزيمة أن لا تميل، ولكن الهزيمة أن تزول عن مكانك، ولذلك رأين في آية النساء المتقدمة أن الله سمى ما يقع للكافرين من غلبة نصيبًا قال تعالى (( وإن كان للكافرين نصيب ) )فهو مجرد قسمة تقع، وأن نصر المسلمين فسماه فتحًا، (( فإن كان لكم فتح ) )فيمكن أن يصيب الكافر المسلم، ولكن المسلم يبقى ويثبت، وما يصيبه إنما هو ثلمة تجبر.
(( ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ) )يعني أنهم يتركون أماكنهم ولا يثبتون، وتأملت تردد كلمة الدبر في هذا الموطن من الهزيمة علمت قبح الفعلة الشنيعة.
{لأنتم أشد رهبة في صدورهم الله ذلك بأنهم قوم لا يفقهون}
هذه على التولي وعدم الثبات، فهذا الحديث ما زال عم المنافقين، وليس إلتفافًا إلى أهل الكتاب، إذ لا داعي لهذا الحمل بلا مسوِّغ يوجب ذلك أو يقدن فائدة.
على التولي الرهبة من المؤمنين، فهم يخافون الناس أكثر من خوفهم لله تعالى، والقرآن فصّل تحركهم تحت هذا الجهل في مواطن عدة ومن ذلك قوله تعالى في سورة النساء: (( يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيط ) ).
فهم يفعلون أمورًا في الخفاء، والله مبصرهم، ولا يفعلونها أمام الناس، ذلك لجرأتهم على الله وخوف الفضيحة من الناس. كما قال في سورة التوبة (( يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين ) ). ... وقد قال بعدها: (( يحلفون بالله لكم ليرضوكم والله ورسوله أحق أن يرضوه إن كانوا مؤمنين ) ). ... فهذا الخوف من الناس دون النظر إلى ما يحب الله ويرضاه هو علة مرضهم، وهو آفة ومصدر تصرفاتهم ومواقفهم، وههنا بيّن الله شدة رهبتهم من المؤمنين، وهو دليل على أن المؤمنين لهم أفعال ومواقف ما يحصل بها الرهبة في قلوب المنافقين الذين يعيشون بينهم، فهم قو لا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يرجون إلا إرضاء الله، ويصبرون على الموت أو البلاء، ولا يتخذون أحدًا وليًا من دون الله ورسوله والمؤمنين، بل هم مع موقف الشرع، يرحمون حيث يرحم، ويقسون حيث يعاقب ويردع كما قال تعالى في موقف إقامة الحد على الزاني كما في سورة النور (( ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ) )، وهذه الرهبة هي التي تحقق شق النّصر في كل المواقف، والشق الثاني يتحقق بالصبر عند اللقاء، وهذا الشق هو ما يسمى بالردع في مفهوم الحرب، ولو تأمل المرء في حياة الصحابة رضوان الله عليهم وأوامر الرسول صلى الله عليه وسلم لهم لوجد أن كثيرًا من الأفعال كان لتحقيق هذا الشق المهم في الوجود والحياة، كما أمره صلى الله عليه وسلم بقتل كعب بن الأشرف وابن أبي الحقيق سفيان بن خالد الهذلي، وقد تحقق بإخراج جيش أسامة بن زيد رضي الله عنه بعد وفاته الخير الكثير من ردع المرتدين في غزو المدينة، وهذه الحياة وقضية الدعوة إلى الله وهداية الخلق ليست قصة جميلة تتحقق بالكلمة الحسنة والتواضع على المبادئ والقيم، بل هي أوسع من ذلك بكثير، والتاريخ وكذا الحياة المعاصرة تبين هذه القيمة خير بيان، فالسفهاء الذين يقودون الأمم كثر، والحاقدون الذين ييملكون القوى والدول كثر، ولا يغرنك الشعارات الجميلة، فهذه توجد حيث لا إختبار، فإذا كانت المصالح حصل الإهتبار فهي أسرع ما يسقط في الحياة.