فهرس الكتاب
{لئن أخرجتم لنخرجن معكم ولا نظيع فيكم أحدًا أبدًا، وإن قوتلتم لننصرنكم والله يشهد إنهم لكاذبون}
الوجه الأصوب لهذا الحديث أنه حديث منافقين كذابين، وهذا يبينه قوله تعالى (( والله يشهد إنهم لكاذبون ) )إذًا هو من باب الخداع لأهل الكتاب، يقوون نفوسهم حتى يثبتوا في قتال المسلمين، ومن دلائل هذه الآية أنها كشفت خيانة هؤلاء المنافقين حين قدموا الخروج على القتال، وواجب الحال أن يقولوا لهم (قاتلوا ونحن نناصركم فإن هزمتم وأخرجتم سنخرج معكم) ، لكن لم يكن هذا حديثهم، بل قدموا الإخراج على القتال، وهذا من باب قولهم:"يكاد المجرم أن يقول خذوني"، واللسان بيان عما في القلب، فهذا من أكبر الأدلة على خيانتهم لإخوانهم من أهل الكتاب.
هذا إذا كان وجه قولهم هذا على معنى تقوية قلوب أهل الكتاب وتثبيتهم على ماهم عليه، لكن هناك وجه آخر للآية، وهو أن المنافقين أعلنوا تضامنهم مع إخوانهم أهل الكتاب في محنتهم لأي وجه يختاره هؤلاء الكفار، فبهذا القول يشعرونهم معاني نفسية من التحالف والتضامن، فلستم وحدكم في هذا الطريق، بل هناك من هو على الجهة الأخرى من هو معكم في عداء هذا الدين.
كلا هذين المعنيين موجود في الآية، ولكن كل هذا كلام لا حقيقة له.
{لئن أخرجوا لا يخرجون معهم ولئن قوتلوا لا ينصرونهم، ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون}
حقًا وصدقًا إن أفئدتهم هواء، فليس لهم إلا الألسنة كما سيأتي في سورة الأحزاب عن موقعة الأحزاب، لا يستقوي بهم في الشدائد إلا خائب، يؤذون المسلمين بألسنتهم وأفعالهم، ويقوون الكافرين بألسنتهم ويخذلونهم بأفعالهم، فلا يقوون أبدًا على إتخاذ الأفعال والمواقف العملية التي يتحقق بها نصرة من وقفوا معه، إنما همهم تحقيق مقاصدهم وأهوائهم على أي جهة كانت، فلئن أخرجوا من ديارهم لا يخرجون معهم، بل ربما ذهبوا للمسلمين يقولون ما قصّه الله عن نوع آخر من المنافقين هم أقل نفاقًا من هؤلاء: (( الذين يتربصون بكم فإن كان لكم فتح قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونعكم من المؤمنين، فالله يحكم بينكم يوم القيامة ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا ) )وقلت: إن هؤلاء نوع آخر من المنافقين هم أقل ضررًا من هذا الصنف الذين راسلوا النضير، لأن هؤلاء صمتوا فلم يعلنوا شيئًا، إنما جلسوا سترقبون النتائج ليميلوا مع المنتصر، ولما كان هؤلاء يسرون ولا يعلنون، ويجبنون عن التضامن والتحالف، حتى الكلامي منه، فإن الله عقب بحكمه في هؤلاء في الآخرة، فقال:- فالله يحكم بينكم يوم القيامة"بخلاف هنا في سورة الحشر، فإن الله ذكر احتمال قتالهم للمؤمنين ولكن بين أن لا ثبات لهم كما سيأتي، ولذلك هذه الآية من سورة النساء قال الله عقبها عن هذا الصنف المتردد من المنافقين: (( إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراؤون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلًا، مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ) )فهم مرة مع المؤمنين ومرة مع الكافرين، وهؤلاء يطمع في توبتهم كما في الآيات التالية من السورة في قوله تعالى: (( إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخصلوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين وسوف يؤت الله المؤمنين أجرًا عظيمًا ) )والحق أن آيات الجهاد، آيات المنافقين في سورة النساء فيها من الفوائد ما تحتاج بنفسها إلى مؤلف مستقل والله المستعان."
(( ولئن قوتلوا لا ينصرونهم ولئن نصروهم ليولن الأدبار ثم لا ينصرون ) )، وهذه الآية يمكن الإحتجاج بها على شمول علم الله لما لا يكون كيف يكون لو كان، أي أنهم لا ينصرونهم في الحقيقة، لكن هب أنهم نصروهم فإنهم سيغلبون، كما في آية التوبة: (( لو علم الله فيهم خيرًا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون ) )، ولكن سياق الآية يدل إمكانية أن يدفعهم حقدهم إلى الدخول مع الكافرين في حصونهم كما سيأتي.