فهرس الكتاب
إن كان هناك إيمان بها أو إعداد لها، وأحظاب تجمعها المنافع والمصالح، إذا تحولت الجماعات الدعوية إلى مؤسسات مالية يشد الناس إليها برباط الوظيفة والراتب، فإن حصل البلاء رأيتهم يلعن بعضهم بعضًا، ويتهم بعضهم الآخر بشتى التهم. فحسبنا الله ونعم الوكيل. وهذه الآية تقوي عزائم المسلمين، وتشد أزرهم حين يرون أعداءهم قد تكالبوا عليها، فيظن الظان أنه لا يوجد سبيل إلى دحرهم أو هزيمتهم، بل عليه أن يؤمن أن بينهم من عوامل الهزيمة الداخلية ما هو كفيل بتشتتهم وتفرقهم، هذا إن صمد المؤمنون المجاهدون وثبتوا، حينها تظهر عوامل الفرقة والإختلاف، وتتفجر البأساء بينهم، وقد حصل هذا في الحروب الصليبية الأولى فإن من أقوى عوامل هزيمتهم هو تنازعهم وتشتت أمرهم، بل إن بعض هذه الحملات لم تواصل طريقها إلى بلادنا، بل ذهب بعضهم يقتل بعضًا، ويتخلى بعضهم عن بعض، فاندثرت هذه الحملات قبل وصولها، وإن بعضها من وصل إلى نواحي تبوك في شمال الجزيرة العربية قاصدين مسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقبره حتى ينبشوه، فلم يردعهم رادع في طريقهم إلا أنهم تفرقوا وتنازعوا قبل المواصلة، وتحقق تشتتهم وخذلانهم، ودولة يهود اليوم فيها من عوامل الهزيمة الداخلية أكثر من غيرها، وخاصة التنازع والتفرق، فإنه لا يوجد دولة فيها نسبة أحزاب متفرقة كما في هذه الدولة، وقضية وجودها مرتبط بعدم إرادتنا وعزيمتنا، لا بقوتها وشدة أركانها، هذا مع ما تجد من حبل الناس الممدود لها في كل شريان من شرايين حياتها يمدها بأسباب الحياة والبقاء، وكل حروب هذه الدولة إنما تمت على صورة واحدة وهي إنهزام في جيوشنا أمامها بلا قتال ولا حرب. ثم قدر ورأينا اجتمع الجيوش الكافرة على العراق وأفغانستان، ثم رأينا كيف دبّ فيهم التنازع والخصومة، وصار كل واحد يكيل التهم للآخر، ومازالت الطريق تلد بالاحداث المصدقة لكتاب الله تعالى بحمد الله رب العالمين.
فمن مقاصد الآية أن تكشف غطاء هؤلاء القوم النفسي، وهذا ليس خاصًا للمنافقين أو لأهل الكتاب، بل هي سنة الله في الكافرين كما في الآية التالية:"كمثل الذين من قبلهم قريبًا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم".
والقتال في القرى المحصنة ومن وراء جدر ليس معيبًا في الطلق، لكنه يكون معيبًا حين يكون دافعه الجبن وليس التقدير العسكري للموقف، ولذلك قال تعالى في فاصلة الآية: ذلك بأنهم قوم لا يعقلون، والنبي صلى الله عليه وسلم قال:"لا يغزى قوم في عقر دارهم إلا ذلوا"، فإن الإصابة فيهم محققة سواء كانت مادية أو معنوية، وهذا يبين فضيلة الغزو والنفير إلى الأعداء لما في ذلك من عزة الغازي، وذلة المحتمي.
قوله تعالى {كمثل الذين من قبلهم قريبًا ذاقوا وبال أمرهم ولهم عذاب أليم}
هذه سنة الله تعالى الجارية في الكافرين؛ فاقدين للهدى، متنازعين على الدوام، ونفوس خواء، وقلوبهم هواء، ولا يغرنك الظاهر في شيء، فإن القليل من الإصطلاء على نار القتال والجهاد يكشف كيف ينهارون كالأرزة كما وصفهم النبي صلى الله عليه وسلم، لكن المشكلة فينا نحن، إذ لم نعد أنفسنا لوراثة هؤلاء، بل فينا النفاق والخذلان والجبن، وصرنا غثاءً كغثاء السيل، أي عدد كثير بلا فاعلية في الواقع والحياة، وفقدنا مقومات وراثة الأرض من غيرنا، هذا لأن فينا من تضلع بأكاذيب الشيطان وجنده أن الجهاد في سبيل الله ليس السبيل لعزة الأمة ورفعتها.
هكذا هم أعداء الدين يذوقون وبال أمرهم، أي عاقبة فعلهم، كما ذاقت قريش وكما ذاق بنو النضير، فهم على طريقة ومنهج واحد، يذوقون العذاب في الدنيا ولهم عذاب أليم يوم القيامة.
قوله تعالى {كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر فلما كفر قال إني بريء منك إني أخاف الله رب العالمين، فكان عاقبتهما أنهما في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين}